الكتــب.. طعام الفكر..

هناك أجنحة أقوى من صفائح الحديد والفولاذ، وأبقى من القلاع والقصور.. أجنحة شفافة، لا يمكننا رؤيتها، لكننا نحس بها، فهي ترفعنا تارة، وتارة تهبط بنا، تارة تقدمنا سنوات، وتارة تغرقنا قروناً، تسحبنا مرة إلى القاع، ومرة تجعلنا نطفو..

أجنحة لا يعرف قيمتها إلا من غرق كيف يستخدمها ويسخرها لصالح حواسه..

إنها أجنحة العقل..

تلك التي لا تبدأ بالنمو والرفرفة والنبض إلا لحظة قراءتنا للكتب.

أجنحة غذاؤها وهواؤها الكتب العظيمة، وتجارب الفلاسفة والعلماء.

إن العقول كالأطفال، قابلة للنمو والكبر والنضج والوعي، وهناك عقول تبقى صغيرة مثلما ولدت، وإن كانت تسكن في أجساد كبيرة.

فمقياس أي إنسان حقيقي هو عقله، وإن ضاع العقل، ضاع كل شيء (فلكل شيء عوض، إلا العقل).

تموت الشعوب والأمم بأميتها، وتحيا بالقراءة، والمعرفة، فأمة لا يعرف أفرادها القراءة أمة أضاعت حياتها، ودمرت مستقبل أبنائها، وقد يمتد الدمار والخراب إلى أمم وشعوب مجاورة، فالجار الجاهل المجنون كثور هائج لا تفرق حوافره بين الحصى والحجارة والورد وسنابل القمح.

إن الكتب المفيدة قليلة الفائدة لمن لا يعرف كيف يفك حروفها، وهل تستفيد الضباع والخنازير من عبير الورود وأريج الياسمين؟!

(قراءة الكتب  دون غيرها  هي التي تعطي العقلاء أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، وذلك لأنها تزيد هذه الحياة عمقاً، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب).

إن حياة واحدة لا تكفي العاقل الحكيم، ولا تحرك فيه كل ما فيه ضميره وقلبه من حركة، لذا نرى الحكماء يهربون من الناس إلى بطون الكتب ورفوف المكتبات.

كل عقل مكان معتم ورطب طالما لم تدخله شمس المعرفة وحرارة الحقيقة، والشمس دائمة الانتظار وراء القضبان، وخلف كل نافذة مغلقة وباب موصد، فما علينا إلا كسر الأقفال، وفتح الأبواب، فالبقراءة، والفهم السليم نطرد ظلمة القلب ورطوبة النفس، ومن يقرأ دون فهم مثله كمثل من يبتلع الطعام بلعاً، ويحاول شرب العسل بعينه، واستنشاق العطر بأصابعه، وتذوق الحلوى بأذنه.. (فلا تقل لي كم كتاباً قرأت.. بل قل لي كم سطراً فهمت…).

بالقراءة والفهم قد ترى العيون الصغيرة ما لا يمكن أن تراه العيون الواسعة الكبيرة التي لا تعرف القراءة، وبقدر الفهم تكون الاستفادة لا بقدر عدد الكتب التي نقرؤها، وبقدر اتساع العقل تكون الرؤية، لا بقدر قوة البصر واكتناز العضلات. كما أن لا شجرة من دون أرض وتربة ومطر، ولا نجوم من دون سماء، ولا عواصف من غير رياح، كذلك لا عقل من دون تجارب وقراءة مستمرة. سئل أحد الفلاسفة الحكماء عن حبه للقراءة، وتعلقه بالكتب.. فقال:

لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة..

لكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني، فمهما أكل الإنسان فإنه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، ومهما لبس فإنه لن يلبس على أكثر من جسد واحد، ومهما تنقلَّ في البلاد، فإنه لايستطيع أن يحل في مكانين، ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال، يستطيع أن يجمع حيوات في عمر واحد.. ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، وتتضاعف الصور بين مرآتين.. وطوبى لمن قال:

لذة القلوب والأجسام تزول، وتبقى لذة العقول..

العدد 1190 - 11/03/2026