فطور ديمقراطي…!

لم أكن أعرف أن زيارتنا إلى بيت صديق زوجي، ستحدث هذه البلبلة في نظامنا الداخلي… كنت أتعرف عليهم للمرة الأولى فاصطحبنا الأطفال معنا ليتعرفوا على أطفالهم، لدى عودتنا لاحظت أن الشعب عندي بدا مفتوناً بما أسماه جو الحرية والديمقراطية السائد في بيت مضيفنا، أنا من جانبي لم ألحظ شيئاً من هذا، لكن لاحظت أن أولادهم كانوا يرددون أمامنا كثيراً كلمتي (سوما) و(نوكا)، في البداية ظننت أنهم ينادون على قططهم، ولكن تبين لي بعد ذلك أن لقططهم أسماء أخرى أكثر فخامة، فذهب ظني إلى أنهم يتحدثون عن نوع من الحلوى أو ربما شخصيات أفلام كرتونية، وفي النهاية اكتشفت أن المقصود هو والدهم (سمير) وأمهم (نجوى)! أما زوجي الذي بات من أنصار الديمقراطية فجأة، فقد أبدى تعاطفه مع المطالب الشعبية التي تريد توسيع هامش الديمقراطية في البيت، وأقنعني أن الزمن تغير، والأفضل أن نتأقلم مع رياح التغيير قبل أن تقتلعنا، ثم أعاد على مسمعي محاضرة صديقه (سوما) الذي أسهب لنا أثناء الزيارة بالحديث عما أسماه (اللقاح الديمقراطي)، الذي طعم أولاده به منذ مرحلة (الببرونة والحفوضة). وبصراحة لا أخفيكم أني قاطعت تلك المحاضرة بمداخلة لأسأل الصديق عما إن كان ذاك اللقاح يعطى ضمن حملات التلقيح الوطني في وزارة الصحة… لكن ما لبثت أن سكتّ حين لمحت نظرة غير ديمقراطية يرميني بها زوجي من طرف عينه!

المهم، شعرت أني المعنية بهذه الحملة المفاجئة ضد الديكتاتورية، فأقسمت لهم أن عصراً جديداً من الحرية سيشهده بيتنا ابتداء من اللحظة.

 صباح اليوم الثالي كان نهار عطلة، وكنا قد قررنا أن نذهب معاً إلى السوق لأن شراء الملابس يجب أن يتم وفق الأصول المرعية في الأسر التي تحترم آراء أفرادها، أي كل واحد يشتري وفق ذوقه، إنه العهد الجديد… ولكن علينا تناول الإفطار قبل الانطلاق، لذا قرعت باب غرفة البنات، وطلبت منهن بكل هدوء أن ينهضن لأن الطعام جاهز، كنت قد أعددت الفطور التقليدي من جبن وزيتون ومكدوس ولبنة، منتظرة حضورهن لأقلي البيض وأجهز الشاي، ومن أجل أن أثبت لهن نيتي الصادقة بالإصلاح والتغيير، فقد سألتهن: كيف تشتهون أن أقدم البيض اليوم؟ وبسرعة تلقيت أربع اقتراحات متعارضة نزلت فوق رأسي مثل القذائف: الكبرى تريد(بيض عيون) الثانية تفضله مخفوقاً، الثالثة امتنعت عن التصويت لأنها لا تحب البيض أصلاً، حتى الصغرى التي لم تتعلم الكلام بعد أشارت الى أنها تريد (طابة) يعني مسلوقاً… وقفت حائرة أمامهم، رحت أحاول تقريب وجهات النظر، للوصول الى حل يرضي جميع الأطراف، فرفضن الحوار معي،بل إن التعنت وصل الى إعلان اثنتين منهن الإضراب عن الطعام. والدهن الذي كان جالساً أمام الكمبيوتر انزعج لتأخر الإفطار، وحين علم بالمشكلة رد ببرود: لا أدري لم ترفضين مواكبة التكنولوجيا! هاهو ذا (النت) أمامك… لماذا لا تطلعين على أحدث طرق طهي البيض وتغيرين أساليبك القديمة؟ أجبته بسرعة: لم يعد ينقصني إلا التدخل الخارجي! من فضلك لا أريد مزيداً من التحريض. وفعلاً عدت إلى الحوار مؤكدة أن لا بديل عن الحل السلمي، إلا أن النزاع بدأ يأخذ منحى العنف، إذ انبرت الكبرى صاحبة المواقف الراديكالية دوماً لتصرخ بأعلى صوت: متى ستتطورون وتغيرون لنا هذا الفطور الممل؟ ألا يمكن أن تطلبوا لنا مرة في هذا الدهر بيتزا أو همبرغر من المطعم؟ أسرعت باتجاهها ولوحت لها بإصبعي محذرة من ترديد هذه الأقوال الخطيرة و إلا سأضطر إلى تغيير الفطور فعلاً ولكن بتطور خلفي، إذ سأجبرهن على تناول فطور الجدات الذي هو غالباً شوربة عدس أو كشك، وفي أحسن الأحوال شنكليش معتق مع بصلة. وهنا تدخلت رند التي كانت قد امتنعت عن التصويت سابقاً لتقدم اقتراحها المنسجم مع نفسيتها التي تحب الحلوى وتكره المشاكل: يا أمي، ليتك أخذت هذا البيض وصنعت لنا قالب كاتو، كنا انبسطنا كلنا وتخلصنا من البيض… اقتراح جميل لو كان الوقت والكهرباء متوافرين.

في النهاية، ذهبت إلى المطبخ وأعددت البيض بالطريقة التي اعتدت عليها كل يوم، كان الجوع قد بدأ يؤثر عليهن، فجلس الجميع يتناولون الطعام بصمت، باستثناء والدهن الذي راح يعدد لهن مزايا البيض الذي تعده الماما، وجمال الثياب التي ستشتريها لهن الماما حين تذهب وحدها إلى السوق.

العدد 1190 - 11/03/2026