كهرباء جرمانا خيار.. وفقوس

رضينا بالتقنين، والتقنين لم يرضَ بنا.. هكذا يقول أبناء حي الوحدة في جرمانا.. فقد رضي أبناء الحي بأن يكون التقنين بالتساوي أسوة بالأحياء الأخرى وهم يعرفون ويقدّرون حجم الأزمة، إلا أن الأمر تعدّى الرضا إلى الانفجار، بعد تكرار ظاهرة عدم العدل في توزيع الأقدار ممن هم في موقع المسؤولية والقرار عن توزيع حصص الكهرباء في البلدة والدار.. ففي هذا الحي المنكوب كهربائياً، يأتي التيار لمدة خمس عشرة دقيقة قبيل موعد انتهاء فترة التقنين المقررة ثلاث ساعات، ثم يقطع فترة التقنين كاملة، ويسارع بعض أهالي الحي إلى الاتصال بأصحابهم أو أقربائهم ممن يعيشون في أحياء جرمانا السعيدة كهربائياً، ليُفاجؤوا بأن التيار في مناطق أخرى لم يمسسه التقنين من قريب أو بعيد.. فأحياء مخالفة كحي (كرم الصمادي) المليء بالمخالفات الكهربائية والاستجرارات غير النظامية، وحي (الآس الشرقي) و(الخضر) و(الحي الملاصق لطريق المطار) لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها في القطع والتقنين، إلا قطع بضع دُقيقات للتمويه تمتد إلى نصف ساعة أو أقل أحياناً!

ولدى مراجعة المسؤولين في البلدية أو مؤسسة الكهرباء في جرمانا، فمنهم من يعتذر  (ماني فاضي)، ومنهم من يقول: الكهرباء لا تتحمل، ولكن الأهالي يصيبهم داء العجب كيف تتحمل الخطوط في الآس الشرقي وكرم الصمادي مثلاً وفيهما من الاكتظاظ السكاني ما يفوق حي الوحدة بضعف أو أكثر؟ أصبح أهالي حي الوحدة يدركون أنهم لا حظّ لهم (معتّرين) ولا ظهر… وبالمناسبة فالحي من الأحياء النظامية، والذي لا استجرارات غير نظامية في كهربائه، ولكن حظ أهل الحي من الحظوة قليل لأنهم ليس بينهم أو بين المقربين منهم من يعمل في الكهرباء أو قريب من رئيس البلدية أو قريب أصحاب السماحة والعطوفة (يا حسرة)!!

المهم أنهم باتوا يرمون أطعمتهم وكثير مما يشترون بأثمان (رخيصة؟؟؟) في حاويات الزبالة، وبات أهالي حي الوحدة من أكثر أبناء جرمانا مراجعة لأطباء العيون… وقد ظن بعضهم (وإن بعض الظن إثم) أن المسؤولين عن قطع الكهرباء لديهم طبيب عيون، فتح عيادة من جديد، وهم أخذوا على أنفسهم رحمة به، وحرصاً على اقتصاده الوطني، ورأفة بشعوره، أن يجعلوا غرفة الانتظار في عيادته مليئة بالزبن الذين يعانون من أذية العيون بسبب الكهرباء.

وأخيراً.. فإن أهالي هذا الحي يأكلونها بأجسادهم ولا بأس، فالأمر يحتاج إلى تضحية.. لكنْ منهم، وليس من أهالي حي الآس.. وكرم الصمادي، والأحياء المجاورة لطريق المطار.. وأخيراً يقولون: الحمد لله الذي لا يُحمد على تقنين سواه.. ويغنّون: (لسه فاكر قلبي يدّيلك أمان) أمان أمان يا للي أمان…

يا جماعة.. العدل- حتّى في الموت- رحمة.

نحن مواطنون.. والمعاناة عامة، ويمكن أن نحملها إذا ما أحسسنا أننا كغيرنا (حطّ راسك بين الروس)، أما إذا أيقن المواطن أن المسألة خيار.. وفقوس، فيصبح الإحساس بالمضاضة (أشد) والقرف مرتفعاً أكثر من 11درجة على مقياس ريختر للعدالة.. والمواطنة..

الجميع يضحي فلا تجعلوا الأمر قاسياً (فظلم ذوي القربى..).

ثمة أعذار… لدى المسؤولين، ولكن كل مخطئ يتذرع بالأعذار.. وهذا ديدن الذين لا يتحملون المسؤولية..

كيف وقد امتد الأمر.. لمدة غير قليلة.. والناس باتوا يدركون أن الأمر ليس عادلاُ..فسرعان ما يتصلون ببعضهم ويراقبون، ويعذرون لكن لفترة قصيرة ويسألون بعضهم… قبل (كيف حالك؟)، يسألون عن مدة الانقطاع.. ومدة التقنين، ثم يدركون أن الأمر ليس ذنباً أصابهم، بل.. خيار وفقوس.. وهكذا يدركون بالحدس والتكرار والتجربة أن الأمر ليس مجرد عطل.. بل هناك ما هو أبعد.. وإلا لماذا يتكرر العطل في هذا الحي بالذات؟! وإذا كان كذلك، فلماذا لا يعالج ممن هم في موقع المسؤولية، والأفضل ألا يتذرعوا بأعذار لا تقنع أهالي الحي المنكوب كهربائياً، بل أن يبحثوا عن حلول منطقية.. وأخيراً ما لنا إلا أن نقول مع الشاعر:

لقد كتمتُ الهوى حتى تهيّمني

لا أستطيع لهذا الحب كتمانا

ألست أحسن من يمشي على قدم

يا أملح الناس كل الناس إنسانا

العدد 1196 - 29/04/2026