دير الزور.. والحصار الظالم!

تعد محافظة دير الزور من المحافظات السورية الهامة في رفد الاقتصاد السوري مادياً من خلال إنتاجها الزراعي الوفير بشقيه النباتي والحيواني، فهي تنتج أهم المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالقطن والحبوب من قمح وشعير والذرة الصفراء والشوندر السكري والخضار والفواكه، وتربى على أرضها عشرات الألوف من قطعان الماشية والأبقار والإبل، فتصدّر مشتقات الحليب إلى كل المحافظات، ولديها مساحات هائلة صالحة للزراعة المروية والبعلية، وأخرى تقدر بمئات الآلاف من الدونمات للرعي.

وقد عملت القوى الدولية والإقليمية الداعمة للإرهاب خلال حربها الظالمة ضد القطر العربي السوري على دفع عصابات داعش للاستيلاء على محافظة دير الزور، وقطع هذه القدرات عن الدولة السورية وتحويلها لصالح تنظيم داعش ومشروعه الجهنمي في تقسيم سورية، واقتطاع أجزاء من أراضيها واستغلال كل موارد هذه الأجزاء لذلك المشروع. فاستولى على معظم أراضي المحافظة، ونهب النفط والغاز والقمح والشعير وكل ما هو مخزون في مستودعات المحافظة، إضافة إلى سرقة المعامل والصوامع والمدارس والدوائر الرسمية والمشافي وكل ما تطوله يد داعش والتنظيمات الأخرى.

إلا إن ما ينغص على داعش والقوى الداعمة للإرهاب هو بقاء أحياء من مدينة دير الزور تحت سيطرة الدولة (الجورة والقصور وهرابش والجفرة والمطار) ويقطنها ما يزيد على ربع مليون مواطن، إضافة إلى المهاجرين من مدن المحافظة وقراها والأحياء الأخرى للمدينة وبعض أبناء المحافظات الأخرى.

هاجم تنظيم داعش تلك الأحياء والمطار عدة مرات مستخدماً كل أساليبه العسكرية من عمليات انتحارية وسيارات مفخخة، ثم شن هجوماً واسعً ومكثفاً بشرياً ونارياً متكرراً، إلا أن الهزيمة والفشل كانا نصيب تلك الهجمات بفضل الصمود البطولي للجيش السوري وللكتائب الأخرى كالدفاع المدني والبعث ووحدات العشائر، التي كبدت داعش خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد وخيبات الأمل.

لقد منع الإرهابيون دخول أي شيء إلى المدينة، سواء أكان ذلك مواد غذائية أو صناعية أو دوائية أو مستلزمات العيش وحتى حليب الأطفال، ومنع ريف المدينة من إدخال المنتجات الزراعية والخضار والفواكه والحليب والألبان إلى تلك الأحياء، وقتل عدد من المهربين الذين استخدموا الطرق الصحراوية والنهرية في نقل مواد غذائية إلى المدينة، واستخدم الإرهاب وبث الرعب في نفوس كل من يحاول من أبناء الريف القريب أو البعيد إدخال أي شيء إلى تلك الأحياء، ومنع حتى الموظفين خارج تلك الأحياء من أبناء المحافظة من الحصول على رواتبهم المستحقة في الدوائر الموجودة داخل تلك الأحياء.

ثم قطع خطوط الاتصالات القطرية والدولية والضوئية والأرضية، حين نسف تلك الخطوط واعتقل ورشة الصيانة التي ذهبت لإصلاحها، ثم شن هجوماً على محطة التوليد في حقل التيم، وفجّر محطة توليد الكهرباء التي تغذي المدينة، وحرق كل التجهيزات التي كانت فيها، وسرق اللوحات الكهربائية، وبذلك انقطعت الكهرباء عن المدينة منذ سبعة أشهر. والكهرباء كانت بالنسبة لأهالي تلك الأحياء هي الحياة، لأنها تغذي محطة مياه الشرب والأفران والمنازل، وشكلت تعويضاً للوقود الخاص للطبخ من كاز وغاز، وبذلك حرم المواطن من أية وسيلة للطبخ والإنارة وحفظ الطعام وحتى من كأس ماء بارد في هذا الصيف اللاهب.

إن الأغرب لأهالي تلك الأحياء كان إقدام الكثير من تجار المدينة على إخفاء المواد الغذائية وحليب الأطفال وحتى صابون الغسيل من محلاتهم في الأيام الأولى لبداية الحصار، وأصبحت تلك المحلات هياكل فارغة بسرعة عجيبة، ثم بدأت تخرج تلك المواد من مخازن هؤلاء بالقطارة، لتباع بأضعاف مضاعفة، حتى التجار الذين سمحت لهم الدولة بنقل المواد الغذائية والضرورية عبر الطائرات، استغلوا تلك الحالة وباعوا المواد بأسعار خيالية، فازدادت ثرواتهم على حساب الفقراء والموظفين وذوي الدخل المحدود.

ورغم المبادرات الخلاقة التي قامت بها السلطات المحلية للتخفيف من معاناة المواطنين من توفير الخبز والماء، والعمل على إيجاد البدائل كتوفير الوقود من الآبار النفطية القديمة لتقديم المازوت للأفران ومحطة المياه، وسعيها إلى إعادة الاتصالات وإلى نقل المواد الغذائية عبر الطائرات، وتخديم مؤسسات التجزئة بتوفير المواد الغذائية بأسعار معقولة، إلا أن الكميات لم تكن كافية للسكان، فاستمرت الأسعار بالارتفاع الجنوني.. وعملت على إصلاح محطة الكهرباء في التيم بعد استعادته بقوة الجيش السوري من داعش، وماتزال تلك المحاولات مستمرة ولكنها لم تصل إلى غايتها.

إن الحصار الظالم والمرعب الذي فرضته قوى الظلام على مدينة دير الزور يتطلب الإسراع في إيجاد كل  الحلول لكسره، وإعادة الحياة والأمل لأهالي تلك المدينة الصامدة، وضرورة إغاثة أطفال دير الزور وشيوخها والعمل على فتح الطرق إليها، ولابد من إغاثة أهالي دير الزور من الجوع والغلاء، ودعم الصمود البطولي لهؤلاء الرافضين للإرهابيين وللقوى الظلامية، وإفشال مخطط داعش الجهمني!

بالأرقام

 إن ما يعانيه أهالي مدينة دير الزور من هذا الحصار يفوق الخيال، فالأسعار الكاوية والملتهبة للمواد الغذائية أرهقت المواطن ولم تعد لديه القدرة على تحقيق الحد الأدنى من العيش، وسد الجوع.. فاليوم تباع المواد الغذائية والخضار بأسعار تفوق الخيال، فمثلاً كيلو السكر الواحد بألفي ليرة سورية، ولتر الزيت النباتي بـ2500 ل.س، وكيلو الرز بـ2000 ل.س، أما الخضار فسعر كيلو الباذنجان الأسود 1700 ل.س، والبندورة تباع بين 1500 ل.س إلى 2000 ل.س، والبيض تباع البيضة الواحدة بـ300 ل.س، والبطاطا بالحبة الواحدة، وحليب الأطفال مفقود.. والوقود سواء للطبخ أو الإنارة أو لرفع الماء إلى الخزانات فهو من النادر، إذ يباع لتر البنزين ب2000 ل.س، والكاز بـ1800 ل.س، والغاز لم يعد موجوداً حتى في الخيال.. والصابون مفقود، مما دفع المواطنين إلى استخدام حجر (البيلون) للنظافة، ولا مجال للتحدث أكثر.

العدد 1195 - 23/04/2026