للأمكنة أرواح أيضاً
قبل هذه الأزمة لم يخطر ببالي أن لتلك الجغرافية المتناثرة أجزاء حارّة من روحي، لم يخطر ببالي أنني متعلّق إلى هذا الحد بتفاصيل صغيرة لأمكنة مررت بها ذات يوم، وإلاّ لكنت أشبعت نهمي من سحرها. في شوارع الرقّة خرجنا ليلاً برفقة (أبي سهيل) رحمه الله، كنا ثملين فرقصنا، وتعالى غناؤنا، وما أجمل غناؤك الفراتي يا أبا سهيل…! وتواعدنا على سهرات مماثلة في شوارع طرطوس، ووعدناك برقص وغناء ساحلي. ما زلت أذكر… أجل، وكيف أنسى؟
في دير الزور أقسم صديقنا فرحان أن ألذّ (محمّرة) يأكلها الذواقة هي محمّرة الدير. كنا على تخوم المدينة، وبدأت معدتي تطالب بما وعدها به فرحان، وقريباً من كراجات البولمان صدق قسم صديقي، وحين خرجنا من المطعم كان العمال يبتسمون وهم يسمعون وعدي بزيارات أخرى، ويغرونني بأنواع من الأطعمة لا قبل لي بها.
وفي تلك المدينة الخضراء، إدلب، راح (أبو خالد) يتباهى أن حصتهم من سهل الغاب أكبر من حصة اللاذقية، والمكان المشرف على السهل يثبت صدق ما يدّعيه، ولولا وجود صديقنا الحموي ربّما تجاسر أبو خالد، وزاد حصة بلده عن حصة حماة أيضاً، لكن نظرة محذّرة منعته من ذلك، فسهل الغاب حموي بامتياز، ولكي يثبت مرجعية السهل تعالى الغناء من صديقنا الحموي، فسمعنا عنين النواعير يمتزج بصوته الخشن.
في مدرّج بصرى كانت الذاكرة البعيدة تختصر مئات الأعوام، ويحضر الأجداد بصلابة وجوههم، كصخور ذاك المدرج ليقولوا هذا ما ورثناكم إيّاه، لتتفاخروا، شعور غريب يرفع رؤوسنا عالياً أمام وفود السائحين، السائحون الذين تذوّقوا الراحة الدرعاوية بتلذذ، فحملوا معهم المزيد منها قبل صعودهم الحافلة منطلقين إلى السويداء، حيث تنتظرهم بلد (فيليب العربي) مهندس حضارات العالم.
تدمر وزنوبيا ونحن، وحوارات لا تنتهي، تربط الماضي البعيد بأغصان نخيل يتغانج على حدود المدينة القديمة. من هنا خرج الأبطال الأوائل للدفاع عن تدمر… لا، بل من هنا. لن نختلف كثيراً، فسرعان ما تحضر روح جدتنا الملكة، وتضمنا إليها برائحة ملائكية، تنتقل أنظارنا بدهشة وصمت وخشوع، فنؤجل خلافاتنا حول البوابة التي دخل الرومان منها إلى هنا.
في ريف اللاذقية الشمالي، راح صديقنا طلال يشير إلى البيت القديم الذي استخدمه الممثلون في مسلسل (ضيعة ضايعة). طلال الذي كان له النصيب الأكبر من الحزن والقهر والهزائم، مما يحصل الآن فوق هذه الجغرافية المتصلة بألفة ومودّة لم يعرفها أبناء الموت، فتقاسموا الأماكن والفضاءات والأرواح والجثث.
الآن لا يمكن لنا إلا أن نصدّق أن في جيناتنا خللاً يجعلنا كالوحوش. أعرف أن التعميم خاطئ، لكنني لشدّة حزني ألجأ إليه، أحمّل المسؤولية كل الناس بدءاً مني. فلو كنا سوريين بحقّ لما حصل لسورية ما حصل. وحتى لا ندخل في جدال عقيم سأعود من حيث بدأت الحديث.
يا شوارع الرقة… هل تذكرين أصواتنا ووقع خطواتنا الليلية؟ هل تذكرين (أوووووف) أبي سهيل؟ يا عمال مطعم كراجات البولمان في دير الزور، هل ما زلتم تنتظرون زيارتي؟ يا أبا خالد الإدلبي أما زلت مصراً على حصتك من السهل؟ أم تراجعت أمام عنين النواعير؟ يا أجدادنا الأقدمين كيف تنظرون إلينا الآن ونحن نعبث بصخور مدرّج بصرى؟ أيتها الزبّاء… هل حقاً أن الرومان دخلوا إلى مدينتك بقوتهم أم بسبب آخر…؟ صديقي اللاذقاني طلال… أما زالت الجغرافية في نظرك متّصلة؟ أم أنها تبعثرت؟