تنمو أجسادهم.. وتصغر عقولهم..

تبدو لي طبيعة وحياتهم بعض الناس شبيهة بطبيعة وحياة الأسماك، بعضها يسبح قرب الشواطئ والسواقي الضحلة، ولايمتلكون روح المغامرة والإقدام، وقلة منهم من يغوص في الأعماق، متلمساً ببصيرته لا بيده كل ما يراه أو يلمسه.

وبعضهم كالبط، دائماً وأبداً تراه عائماً على السطح، وبعضهم كاللؤلؤ والمرجان لا يرضيِه الظهور بقدر ما يغريه أن يبقى مختبئاً بين الأصداف، متسلحاً بعلمه عارفاً أنه ثمين وغال، وذو رتبة عالية، ومن أراده، وأحب مرافقته ليبحث عنه، فإن أراد العسل عليه أن يتحمل وعورة الطرق والأشواك التي تحيط بالقفير.

وبعضهم كالشموع، تضيء عتمة الغرف، وبعضهم كالبروق تضيء عتمة النفوس، وبعضهم زوابع وغبار…

وآخرون ينابيع عذبة تعطي مياهها بلا ضجيج ولا تزمير.

وما أشبه البعض بالصخور العظيمة، لا يرضيهم إلا حمل الآخرين ورفعهم عالياً، والبعض كالرمال الناعمة، والريش الخفيف ينتقلون من مكان لآخر مع كل هبة ريح.

(عجبي لرجال تنمو أجسادهم، وتصغر عقولهم). 

ومن الناس جبال يحملون فوق ظهورهم الشجر والحجر، الحشائش والطحالب والحشرات، والزواحف، لكنهم بالمقابل يختزنون في بطونهم ثلوج السماء وبراكين الأرض، أجسادهم في حالة احتمال دائم، وثوران براكينهم وانفجار ينابيعهم قادم لا محالة.

(يرى معظم الناس الجرح الذي في رأسك، غير أنهم لا يشعرون بالألم الذي تعاني منه).

وبعض الناس كالغابات الكثيفة، تخبئ لك ما لا يمكن التنبؤ به، وينبغي عليك أن تكون مستعداً في حالة ترقب وانتظار، لئلا تنقض عليك من بين الأشجار والأشواك والحشائش الناعمة ضباع مفترسة كثيرة، ووحوش كاسرة!

(ومن الناس من خُلق بذيل ومخلب، ومن العبث أن تجعله رأساً!).

قيل لأحد الحكماء:

ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل فيحتمله، ولا يحتمل مجالسة الثقيل والسفهاء؟

فقال: لأن الحمل تشترك فيه جميع الأعضاء، والثقيل والسفيه تنفرد به الروح.

(لذا.. لا بد من اجتناب الرجل اللئيم الشرير حتى لو كان مزيناً بالعلم، لأن الأفعى لا تكون أقل سماً وقتلاً عندما تضع على رأسها جوهرة ثمينة!).

العدد 1196 - 29/04/2026