سلوك الأهل في تكوين الأطفال
يطمح الأهل إلى أن يكون طفلهم مثلاً أعلى لما يرغبون، لكنهم يتناسون أثر سلوكهم في تكوين أطفالهم، إن الأب السكّير، والأم المستسلمة لحنانها والتي تجعل من طفلها صنماً صغيراً، والأب الذي يهجر أطفاله في سبيل علاقة حب جديدة، يرسمون جراحاً في نفوس أطفالهم لا تندمل؛ فهم يرون في الأبوين الصورة المثالية، ويخيب أملهم حين تتحطم المرآة التي كانوا يرون فيها طموحهم للمثل الأعلى، كذلك ترك العبء في أعمال المنزل على النساء، وتهرّب الجنس القوي منها له انعكاساته على الأطفال، فروح التعاون داخل الأسرة يفتح لأفرادها أبواب السعادة والرضا، وكذلك اللعب مع الأطفال هو أحد الطرق الرئيسة للتربية..
وتشير كتابات الطلاب لمئتي موضوع في التعبير عن (أميز وقت قضوه) إلى أن أكثر الأوقات سعادة في نظرهم تلك التي تشاركهم فيها أفراد الأسرة في أمسية أو نزهة، يقول أحدهم: (إني حزين لأن أبي لم يأخذني معه سوى مرة واحدة إلى صيد السمك، وكانت تملؤني الرغبة إلى أن أذهب معه مرة أخرى..)، والآباء غالباً ما يتهربون من أطفالهم لتفادي التوتر الذي يفرضه التواصل مع الأطفال، وهم مقصرون عن ملاحظة سلوك صغارهم وتبدّلات مزاجهم نحو أصغر المواقف، وقوة الملاحظة ليست في الشك والتجسس بل بمتابعة الطفل والسعي إلى فهمه وإدراك دوافعه في التصرف.
وعن الخيال التربوي وضرورته، تحدث المربي (م.ي.بيروغروف) فرأى أن الكبار يجب أن يرحلوا إلى عالم الصغار، لا أن يسحبوه إلى عالمهم، وهذا الأمر يتطلب قدرة تربوية، مثلاً ليس لنا أن نطلب من الطفل أن يحاورنا وهو مستغرق كلياً في لعبة يتشوق إليها، ولا يعدّ تمنّعه عن الاستجابة لرغبتنا ضرباً من العصيان، والتمرد، فالطفل يجد عالمه المتخيل في اللعب، ويطور قواه الجسمية والعقلية من خلاله، ولكي ندرك عالم الطفل علينا أن نكتشف رغباته ومطالبه ونساعده على فهم نياته الخفية.
سأل طفل أمه: من أين أتيتُ يا ماما..؟
ارتبكت الأم، وذهبت إلى الأب الذي اقترح أن تجيبه أن اللقلق جاء به، ثم تبيّن أن الطفل لا يسأل عن كيفية إنجابه، وإنما سمع من رفيقه أنه جاء من القرية، وهو يسأل إن كان مثله جاء من إحدى القرى…!
فالحوار هنا أشبه بحوار الطرشان بسبب تسرّع الأهل في الحكم على نيّة الطفل، وللوصول إلى هذه النيّة على الأهل أن يتبصروا جيداً دوافع أطفالهم الخفية في السلوك والسؤال، كما يجب أن يتحلى الأهل باللباقة التربوية، وهي ملامسة عالم الطفل الداخلي بلطف وحذر، من خلال مخاطبته دون أن نجرحه فلا نكون فظّين في تعاملنا معه، لأن الكلمة الفظّة محرك سلبي لأعماق الطفل وتوتره الذي قد يستمر أياماً..
إن الأم التي توبخ طفلتها التي كسرت المزهرية من غير قصد أمام الآخرين، إنما تحطم كبرياءها وتحط من كرامتها دون مردود، فالشتائم والصياح لا يؤديان إلاَّ إلى تمرد الطفل وتجرّئه وفظاظته..
قد يتأخر ابنك أو ابنتك عن العودة إلى المنزل، فلا تبادرهما بالتقريع بل استقبلهما بلطف ثم قل: غداً سنناقش معاً سبب تأخرك، وفي هذا التأجيل فرصة لزوال التوتر والحوار الواعي..
وقد يمتدح الأهل سلوك أحد الأبناء، في مواجهة غلطة ارتكبها ابنهم الآخر، وبهذا يحكمون على الطفل بكره أخيه الذي نال رضى الأبوين، فضلاً عن قاموس التقريع الذي يستخدمه بعض الأهل في مواجهة الطفل.