الكتابة والتاريخ

المنتصر يكتب التاريخ، ولكن ماذا عن تاريخ المهزوم؟

أعتقد أن السؤال صار أكثر إلحاحاً، لأن وسائل الإعلام الأجنبية والعربية المدعومة أجنبياً تختار منتصرها وتنقل سيل انتصاراته إلى العالم، الذي بات أسير هذه الشاشة التي تحاول بأقصى ماتملك أن تقنعه بمصداقية تاريخها.

هل يملك المهزوم تاريخاً؟ وهل يحق له أن يكتب؟ وماذا يكتب؟

كثر الجدال حول هذه النقطة، وتراوحت بين نظرة شبه تأملية، ونظرة تاريخية ترى في الحاضر نقطة تقاطع الماضي والمستقبل. وتصر على أن الكتابة الأدبية هي لغة من لا يملك اللغة، وتاريخ من حرم من تاريخه.

في هذا المعنى كانت تجربة عبد الرحمن منيف أكثر ما يمكن الحديث عنه. فهذا الروائي القادم من الصحراء العربية حمل إلى الرواية العربية تجربة أخرى تكمل الحكاية التي بدأها نجيب محفوظ في ثلاثيته. محفوظ روى البداية عبر ثورة 1919المصرية، ومنيف روى شبح النهاية الذي نبت نفطاً في الصحراء، محولاً المدن والصحارى ووادي العيون وادياً للدموع والنكبات.

في (مدن الملح)، وهي رواية ملحمية تتألف من خمسة أجزاء، روى منيف حكاية وادي العيون الذي جف، والماء الذي محاه النفط والتاريخ الذي احتله الفساد والانهيار.

إنه وادي العيون..

فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء كأنها انفجرت من باطن الأرض، أو سقطت من السماء…كيف انفجرت المياه والخضرة في مكان كهذا؟

حكاية وادي العيون هي حكاية رجل غامض يدعى (متعب الهذال) يظهر ليختفي كأنه صوت الأرض التي ترتجف من باطنها، باطن الأرض، يقذف النفط، والنفط يصبح وسيلة اغتيال التاريخ من حران إلى موران، إلى حكاية الطبيب السوري صبحي المحملجي. ومن السلطان خزعل إلى مجموعة السلاطين الذين نجحوا في اغتيال الماء.

راو يحكي كأن الحكاية التي لا تنضب، بديل الماء الذي يموت. فالكلام في رواية منيف يشبه الماء الذي يتدفق كالماء، كأن الصراع هو بين الماء والنفط، أو بين الكلام والصمت.

إنها النهايات

تبدأ الرواية من زمن النهاية، لذلك لجأ منيف في رواية أخرى إلى استخدام عنوان (النهايات).

إنه (القحط)..القحط مرة أخرى.

هكذا تبدأ رواية (النهايات ) التي تخبرنا عن شخصية أسطورية أخرى تدعى عساف.بين متعب الهذال بطل الجزء الأول من (مدن الملح ) وعساف بطل (النهايات) الذي يموت مدفوناً في الرمال تدور الحكاية التي محاها التاريخ الرسمي المهزوم.

متعب الهذال يجسد في عينيه واختفائه تاريخ (وادي العيون ) المهدد بالاندثار.وعساف يجسد في موته مدفوناً في الرمال حكاية قرية الطيبة المهددة في وجودها.

تأتي (مدن الملح) لتحول اللعنة حقيقة، والحياة كابوساً، والتاريخ لصاً. فعبد الرحمن منيف لم يخترع مدن الملح، كتب الحكاية كما رآها وعاشها، ولعب على الانتقال بين الحقيقي والمتخيل. بل ذهب في الأجزاء الثلاثة الأخيرة من روايته إلى الحقيقي، وانغمس في رواية حكاية السلاطين الذين تعاقبوا على تمليح المدن.

هل صار الروائي العربي المعاصر كاتب الرثاء الأول للزمن العربي المثقوب بالهزائم؟

هل يكتب الروائي المراثي حين يروي الحقيقة المحذوفة من اللغة؟

عبد الرحمن منيف لم يرثِ الزمن إلا كي يرثه، وفي هذا المعنى لا يكون الماضي القريب حنيناً، بل ذاكرة. قد تكون العلاقة بين الذاكرة والحنين واحدة من أكبر إشكاليات الرواية العربية الحديثة، فالمسافة بين التذكر والحنين قصيرة وملتبسة، وقد تقود إلى سوء تفاهم عميق بين الكتابة والقراءة.

الكتابة تحمي الذاكرة كي تؤسس للحاضر، فالذاكرة هي كلمات الحاضر التي يقوم القمع والديكتاتورية بمحاولة محوها. نحمي الذاكرة أي نحمي حاضرنا من التصحر والموت. والذاكرة ليست حنيناً مرضياً إلى ماض يجب الخروج منه، إنها إطار لفهم معنى الحداثة، ولإثارة أسئلة من مقتربات الحداثة الناقصة والمشوهة التي تقاد إليها مجتمعاتنا العربية.

والروائي يرثي كي يحفظ الذاكرة، ويحفظ الذاكرة كي يقدم احتمالات مستقبلية تختزنها لغة الناس وكلام الذين مُنعوا من الكلام.

(مدن الملح) ليست حنيناً إلى وادي العيون، لكنها تروي حكاية متعب الهذال كي تقيم القطيعة بين التاريخ المهزوم والتاريخ الذي لم يكتب بعد، وهي حين تلتقط التاريخ من أفواه المهمشين والمضطهدين فإنها تكتب التاريخ الحقيقي.

العدد 1194 - 15/04/2026