العنف.. ثقافة أسرية مجتمعية
يُعرّف العنف بشكل عام على أنه الاستخدام المقصود أو غير المقصود للقوة أو التهديد بها ضدّ الآخرين مما يؤدي إلى الأذى الدائم أو المؤقت أو المميت. ولهذا الأذى اتجاهات متعددة قد تكون نفسية أو جسدية أو معنوية. كما أنه قد يتجه في الوقت ذاته باتجاه الأفراد أو المجموعات بشكل عام. تساهم أكثر من جهة في تبني منظومة العنف في حياة الإنسان ابتداءً من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع على مختلف هيئاته وتنظيماته، وخير مثال واضح وجلي على ثقافة العنف في المجتمع، هو العنف والتمييز الممارس على المرأة اجتماعياً وقانونياً وتشريعياً وسياسياً.
* دور الأسرة: فللأسرة التي تمثّل الصورة المصغّرة عن القبيلة أو العشيرة التي تسود المجتمعات العربية والشرقية دور أساسي وهام في نشأة العنف وتعزيزه في حياة الفرد من خلال أساليب التربية التي ينتهجها الأبوان. فبقدر ما يكون الأبوان على ثقافة تتمثل المحبة والمودة واحترام الآخر، يكون لدينا أفراد متوازنون في علاقاتهم بالآخرين، من حيث اكتساب ثقافة اللاعنف والتأكيد عليها خلال العلاقات المتبادلة بين الفرد والمجتمع. أما إذا تمثّل الأبوان ثقافة السلطة والاستبداد والعنف والتمييز في تربيتهما لأولادهما، فستكون هناك سلطات استبدادية تراتبية في الأسرة ابتداءً من الأب تجاه الأم والأولاد وانتهاءً بالأخ الأكبر وسلطته على الأصغر والأنثى حتى لو كانت أكبر، وهذا ما يخلق أفراداً سلطويين استبداديين وعنيفين في المجتمع يمارسون الممارسات ذاتها التي كانوا يُعانون منها في أسرتهم سابقاً.
من هنا نجد أنه بقدر ما تكون العلاقة بين الآباء والأبناء علاقة قائمة على الاحترام والمحبة والحوار والحرية، نكون أمام أفراد طبيعيين فاعلين في الحياة ومتعايشين مع المجتمع بروح المسؤولية والعطاء.
* دور المدرسة: تُعتبر المدرسة العالم الثاني للطفل خلال مراحل نموه واكتسابه المعرفة و ثقافة المجتمع، على اعتبار أنها المكان الآخر بعد الأسرة الذي يغرس في شخصية الطفل مفاهيم وقيم وأخلاقيات معيّنة. فإذا ما كانت تلك المدرسة بإدارتها وكادرها التعليمي والتربوي قائمة على التسلط والقسوة والعنف، فإن الطفل سيتمثل تلك السلطوية والعنف تمثّلاً غير مباشر، لنكون مستقبلاً أمام أجيال متلاحقة تتبنى منظومة تفكير وتعامل سلطوية- عنفية. كما أن للمناهج التعليمية والتربوية دوراً أساسياً في تعزيز تلك الثقافة أو إلغائها، من خلال المواد العلمية وطرائق التدريس والتعامل مع الطلاب، فإذا كانت تلك المناهج والطرائق قائمة على أساس الحشو والتلقين، دون اعتبار لشخصية الطالب وعقله،فإن النتائج غير إيجابية، وبما أن مناهجنا التعليمية بشكل عام قائمة على تلك القاعدة، فإننا للأسف أمام أفراد تابعين يفتقدون روح المبادرة الحرّة والمسؤولة، وبالتالي تكون أجيالنا غير فاعلة، تسير بشكل اعتباطي في الحياة، غير قادرة على اتخاذ القرارات بعيداً عن سلطة الآخر واستبداده.
*دور السلطة الدينية: باعتبار الدين العصب الأساسي والحسّاس في حياة الإنسان، فإن لتلك السلطة الأثر الكبير في خلق ثقافة الاستبداد والعنف، أو إلغائها. ولأن رجال الدين يمتلكون الحق في توجيه الفرد بأي اتجاه وما عليه سوى التنفيذ دون أي نقاش أو حوار أو اختلاف، فإنهم يسعون جاهدين لتقييد فكر الإنسان وتحجيمه ضمن أطر دينية محدودة تعتبر أن هذا الدين أو تلك الطائفة هو الأفضل على الإطلاق وأنه المثل الأعلى في المجتمع، وكل ما عدا ذلك مرفوض وربما كفر وإلحاد. ولأن مخالفة رجال الدين وتعاليمهم تعتبر خطيئة كبرى قد تدخل في مفهوم التكفير للتابعين أنفسهم، فإن هذه السلطة تغرس في نفوس تابعيها ثقافة التطرف، وبالتالي تبنّي مفهوم رفض الآخر مهما كان قريباً، وتبني منظومة عنفية ضدّه في وقت ما، إن استدعت الظروف ذلك. وللأسف هذا ما هو حاصل اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية ما أدى إلى تشتيت المجتمع وجهوده التي يجب أن تتجه نحو تطوير الفرد والتعايش بين الجميع على أساس المواطنة دون النظر إلى الاعتبارات والانتماءات الأخرى.
* دور الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني: تجتذب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني شرائح واسعة من الشباب الطامح للحرية والقيم المثالية التي تتفق ومبادئ تلك الأحزاب والمنظمات وشعاراتها، التي يتوقع الشباب أنهم من خلالها قادرون على تحقيق ما حرمتهم منه السلطة الأبوية- الأسرية والعشائرية والدينية، غير آخذين بعين الاعتبار أن تلك الأحزاب والمنظمات المدنية ما هي إلاّ صورة مصغّرة عن المجتمع الموجودة فيه، بقيمها وتعاليمها بشكل عام، لأن القيّمين عليها هم من أبناء المجتمع نفسه، وبالتالي لا يمكنهم إلاّ أن يحملوا سماته وثقافته، بغض النظر عن القيم السياسية والفكرية التي يتبنونها مهما كانت تحمل ملامح الديمقراطية والعدالة والمساواة، إضافة إلى أن معظم هذه الأحزاب تتخذ من المركزية والشمولية نهجاً عاماً لا تحيد عنه، معززة تقديس القائد باعتباره الملهم والمفكّر الأوحد في هذه الأحزاب والتنظيمات، وهذا ما يجعلها رافداً آخر من روافد الإقصاء والتعصّب والسلطوية الاستبدادية بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يمكن اعتباره شكلاً من أشكال تقييد حرية الفرد وتهميشه، وتقييد فكره، وشكلاً من ممارسة العنف غير المرئي أو غير الملموس في حياة الأفراد.
* دور الأنظمة والسلطات السياسية: تنتهج النظم الحاكمة وأجهزتها على الدوام نهجاً قائماً على إبقاء المجتمع في حالة من الخمول الفكري والعطالة السياسية، من أجل الحفاظ على مواقعها ومكتسباتها التي تعتبرها حقاً، ربما إلهياً، لا يجوز لأحد التفكير في معارضته أو حتى توجيه النقد في أدنى حدوده إليه، وذلك من خلال خطاب سياسي يرمي إلى تصوير الشعب على أنه مصدر السلطات والتشريعات، وأن له الحق في الحياة الكريمة الحرّة، في الوقت ذاته الذي تسود الاعتقالات وكمّ الأفواه ضدّ المناوئين لتلك الأنظمة، أو حتى ضدّ الذين يسعون للتغيير من خلال قوانين وتشريعات تضمن حقوق جميع الأفراد عبر دساتير ديمقراطية- تعددية. وهذا بالطبع ما يبقي على أفراد المجتمع أو الشعب أفراداً تابعين يعشّش الخوف في أنفاسهم كيفما تحركوا خشية استبداد تلك الأنظمة وعنفها ، وهذا يخلق حتى في أوساط المعارضة أشخاصاً إما تابعين أو خانعين، وإما سلطويين استبداديين يرفضون الرأي الآخر ويكفّرونه أو يخوّنونه. وطبعاً يجري كل هذا من خلال وضع دساتير وسن تشريعات وقوانين تتوافق ومصالح تلك الأنظمة بعيداً عن أيّ شكل من أشكال دولة المواطنة والقانون، وبعيداً عن كرامة المواطن والمجتمع وحريتهما.
أبعد كل هذا نتساءل: لماذا يسود العنف مجتمعاتنا…!؟