طرق أُخرى

تُرى هل عدنا إلى زمن (المشائين) لا سيما وأن الوصول إلى أمكنة بعينها بات يستغرق زمناً طويلاً، ليست هنا الإشكالية فحسب بل هي على طريقة الراحل غسان كنفاني ورجاله في الشمس، حينما اختنقوا في الحافلة ولم يقرعوا جدار الخزان، وعلى هذا النحو أصبح الوقت بلا وقت إذ إن عقرب الثواني لا يستطيع اللحاق بعقرب الدقائق وهكذا تبدو الساعة حائرة ولا يمكنها أن تتسارع إلا بالرغبة فحسب، فيما الواقع ذاته قد تحلل من ضبط الوقت وما لهذه المفارقة من تداعيات على المواعيد لا سيما مواعيد العمل، وسوى ذلك من مواعيد أصبح مجرد الوصول هو الموعد الحقيقي فيها.

وزمن المشائين يبدو أنه سيصبح حقيقة بصرف النظر عن اضطراب مزاج الطبيعة، وارتفاع الحرارة الذي لا يُفسر، ومدى ما تكابده الأبدان في صراعها معه، ومحاولتها استنبات (تكييف) ضروري ولو بالتخيل العابر، أو  استدعاء نكتة ظريفة ربما كانت محض نكتة لكننا نجمّلها بالضحك من الأقدار التي تبدو أيضاً غير متساوية في نتائجها ومفارقاتها الأثيرة، وربما في مكان آخر يلجأ ركاب الحافلات بأنواعها إلى ممارسة طقس القراءة حتى إذا ما عثر راكب على كتاب مسلٍ ترى ضحكته تتصادى في أنحاء الحافلة، لكأنها تهتز من فرط إيقاع الضحكة التي تنتشر لتصيب آخرين بالعدوى الإيجابية، ولا فرق إن كان الراكب واقفاً أو جالساً، لأنه يبدو مستمتعاً بوقته ولا يهمه أن يصل في الوقت المحدد، فثمة وقت يخص روحه وعقله، في عالمنا لا تكاد أن تقرأ سطراً في جريدة، وإن ضحكت على نكتة ما (ظريفة) سينعتك الآخرون بالجنون المطبق، وبالتهمة المباشرة بالانفصال عن الواقع، وكأنك تعيش في كوكب آخر لا ينتمي لكوكبنا الأرضي الذي تهتز تحته آعاصير الحروب والأزمات، والتي تعصف بالبشر وأحلامهم وأوقاتهم على حد سواء.

ولعل ذلك  (السطر) في جريدة ما، إن عثرت عليه حقاً، فكم من وقت لديك لتُفسره، أو تقشر معانيه الظاهرة والباطنة، إذاً لا وقت، فما بالك إذاً بقراءة فصل من رواية… أو تُراك تكتفي بالعثور على الكلمة الضائعة في كلمات متقاطعة، وإذا ما استعصت عليك تلك الكلمة، لا يجب أن تسأل أحد لأنه سيُبادر بالقول دون تفكير: (لو سألتني البارحة ماذا أكلت، سأقول لك نسيت) وربما يعقّب آخرون هل هذا وقتك أيها اللذيذ الرائق؟.

إذاً ولعل المعضلة حينما تتبدى صورياً بذلك العناء اليومي والمكابدة الفادحة وعلى نحو لافت، يمكن لك فقط هنا أن تقرأ في عيون الآخرين تلك السطور الهائمة من الضجر والشكوى والأنين، أو اللامبالاة إلى حد (التطنيش)!.

ما الفرق إذاً بين عالم اليوم وعالم الأمس في دلالة الوقت المهدور في غير مستوى عند أسرى الفراغ، الذين يذهبون إلى حاجات بديلة ليصح فيهم القول أنهم يذهبون إلى خواء الترف، لفرط ما استهلكوا من وقت، واستهلكوا معه حاجاتهم الأساسية، ليتبقى حظ التخييل قائماً بالضرورة، إذ أنه (كما يعتقدون) بوسع الخيال بوصفه حرية أن يذهب بهم إلى أوقات أُخرى، تأتيهم كما الهام أو وحي عاجل، وأولئك هم الذين يعيشون في فرق الوقت وفي مصادفاته الكثيرة، ضاحكون بالضرورة، وقليلوا التجهم إذ أنهم أدركوا أن حيواتهم قصيرة على هذه الأرض، وتراهم يشبهونها برحلة إلى المجهول أو المعلوم بآن معاً، وما عليهم إلا أن يصنعوا أقدارهم وعلى طريقتهم الخاصة لينفصلوا عن الواقع جاعلين منه محض نكتة قد تضحك حد البكاء!

وربما تبدت الأوقات الأخرى هنا في هذا السياق، أي بمعنى أنها ليست جاهزة لتأتينا على طبق من ذهب، بل نحن من نذهب إليها طواعية لنُبدد ازدحاماً ليس في الطرق وحدها، وإنما في العقول والقلوب، نشق منها درباً حسبها أنها تنتهي بغابة كثيفة الشجر، وبالضرورة أنهارها تحفر جداولها باستمرار.

العدد 1194 - 15/04/2026