حنين
على هامش حكاية الكتاب وأزمنته المفقودة، بفعل شبيه فاضت به العوالم الافتراضية وأصبح الكتاب بهيئته الورقية وبقوامه الحميم الذي إن مسّته اليد فإنها تمسّ كائناً من لحم ودم تنبض فيه الحياة.
ثمة مكتبات مازالت تُصّر على أن الكتاب بهيئته الورقية مازال صالحاً للقراءة والاقتناء على الرغم من أننا بنظرة واحدة وليست عابرة على داخل مكتبة كل ما يحيط بها هو نقيضها، سنجد العديد من الكتب القديمة والجديدة جالسة على الرفوف بصمت جميل يقترب منها عجوز طاعن بالشغف، ليمسح عنها الغبار وأغلب الظن أنه قارئها الوحيد، لطالما أن القارئ الافتراضي أصبح (غودو) الذي لا يصل!، حقاً اسمها مكتبة (الذهبي) ولها من اسمها نصيب، إذ هي مثلها كمثل الذهب حينما يختلط بالتراب فلا بأس من تطهيره بالنار حتى يصبح سبائك فكرية وثقافية، تختزل المكتبة عالماً غريباً عجيباً يصمد وسط امواج الحداثة، أو ما يشبهها إذ إن كل ما يجاور المكتبة لا يدل على زمن بعينه وإنما هي بضعة أزمان مختلفة من القديم إلى الجديد (بصرعاته) وهكذا..
ثمة رجل جالس يقلّب صفحات كتاب بعينه، حانت مني التفاتة لأقرأ العنوان بقليل من الفضول وكثير من الشغف، كان اسم الكتاب (ألف ليلة وليلة) بطبعته المصرية القديمة (بولاق) وذاكرة الأيام المتواترة أمامه لعلها من حملته على أن يذهب لغير أيام، ربما مقارنة أو حنيناً لحكايات لا يألفها القلب وتتعدد الأسباب والقراءة واحدة.
ويعود بي سؤال حارق: أين ذهب القارئ؟ وأين ذهبت تقاليد القراءة؟ وهل أصبحت هذه المكتبة بالذات فرجة في حلم عابر؟ وهل أصبحت عزفاً منفرداً تختزل أزمنتها الخاصة، في مقابل ما يحيط بها من تجليات واقع لا شكل ولا لون له؟!
لا يبلغ تأسّينا على الكتاب وحكايته عبر الزمانإلى حدّ الحزن النهائي، لأن الرجل كان هو القارئ ربما لمعظم كتب مكتبته، وإن ظلّ هو في تراث الليالي العربية متوسلاً العثور على ليالٍ فارقة يذوق بها طعم الحلم، ويتحسس بأصابعه الهرمة ما خلا روحه، الكلمات بدمها بخطوطها المنكسرة، بفجواتها يتشمم حبرها الذي أصبح عطراً تضوع به صفحات مسها غير لون، وفي عينيه تتصادى الجمل والتراكيب، فتراها ألقاً يلتمع فيهما في عثوره على معنى يفسر به أيامه العابرة من أمامه كنهر لا يجدد بالضرورة جدوله، وإن جددها فبفعل العادة وحسب.
الرجل القارئ هو ذاته الذي لا يتوسل عابراً لأن يقتني كتباً أصبحت عبئاً على جيل بعضه ذهب إلى (خفة لا تُحتمل) يُقلب كتابه الأثير كمن يقلب أياماً يعدّها بقلبه قبل لسانه، فتنتصب أمامه حكايتان لا تشبهان إحداهما الأخرى، وإن تقاطعتا في خطوط بعينها، فليلته التي أصبحت خيالاً نثرياً، هي أبقى من ليلة أخرى، بصعوبة يقرأ بها سطوراً خجولة تعبر أمام عينيه بخيالها المقتضب، الذي لا يلوي على شيء، يقف بينهما حائراً: لمَ يحدث كل ذلك؟ ولمَ حدث ما حدث؟ ولعله يتساءل بينه وبين ذاته: هل كان إنسان الحكاية فيما سلف مكتفياً بما عرفه، خلافاً لإنسان الحكاية الجديد المتبرم من التفاصيل ومن شعرية الحياة ذاتها؟ أسئلة كثيرة خمّنت وأنا العابر أمامه أنها تمور في نفسه فتضعه على حدَّي النقيض، ليجد أن الجواب ليس ضرورياً امتلاكه الآن، مادام الخيال مازال حراً ليقلب غير كتاب آخر، يبثه تلك الحقيقة أو سواها وليبوح بها إلى زائريه القلائل الذين يشبهون كتبه الجاثمة طوعاً على تلك الرفوف، بانتظار من يستضيفها حيناً من الوقت أو إلى الأبد، وفي صمت الرجل الأخير حينما أغلق كتابه، ثمة نظرة عميقة أطلقها إلى الشارع وإلى الناس الذين يستهلكون أوقاتهم، قرأت جملة لم تكن في مطلق الكتب التي صمدت كل ذلك الوقت خلفه: كانت هي لقد أصبحنا بذواتنا كتباً مفتوحة مازال الزمان يقرأ فيها ليعثر على أجوبة ممكنة بما سيأتي.