في مهب النسيان..!

 وقال الراوي: ولما كان السيد أبو كفاح من الرجالات الذين لا تُرد لهم طلبات، مهما عظمت وفاحت منها روائح كريهة، لأن لهم صولات وجولات ويعرفون من أين تؤكل القضايا والمسائل والطلبات والمشاريع ويستطيعون الدخول من خرم الإبرة كما يقال.

صديقنا أبو كفاح لم يتردد ثانية عندما طلب منه أحد معارفه أن يلتقيه لأمر جلل يتعلق بقضية عقارية كبيرة، تماطلت البلدية فيه، وهو لا يعرف الطريق أو المفتاح أو الرقم السري أو رمز الأمان للدخول عبره إلى مركز القرار في البلدية الموقّرة.

وعلى رأي البلديات والأرقام السريّة ورموز الأمان فأنا أود أن أتوجه بسؤال للمعنيين عن عزل من يظهر فساده وإفساده، لماذا لا تجري ملاحقته وإعادته إلى جادّة الحصيرة والحديدي والفقر والشرشحة قبل امتلاء جيوبه وقبل تربّعه على كرسي المسؤولية؟

بالعودة إلى صاحبنا أبو كفاح فقد كان يتنحنح بعنجهية عبر هاتفه بين كل كلمة وكلمة، ثم مالبث أن عدّل جلسته على كرسيّه وأكّد لمحادثه عبر الهاتف أنه لا يصعب عليه شيء في طول الأرض وعرضها وقبلها وشمالها وبرّها وبحرها، وسط دهشة الرجل الجالس على الكرسي المقابلة له.

بعد أن أنهى أبو كفاح المكالمة تفرّغ للضيف وقال وهو من عائلة معروفة بسخاء العطاء وكرم اليد مقابل تمرير مشاريع من نوع (حكّلي لحكلّك): والله يا أخي الموضوع يتعلق بأرض كنت قد دفعت ثمنها دم قلبي كما يقال على أمل أن يتوسع المخطط التنظيمي ويشملها ذات يوم فتدر عليّ أرباحاً طائلة أستطيع من خلالها أن أقيم الفنادق والمولات والاستراحات لهذا الشعب المسكين، الذي لا يجد سوى ظل الأشجار مكاناً ومتنفساً له كي يقيم سهراته وحفلاته وهو يحتسي المتة ويلتهم سندويش الفلافل.

أبو كفاح الذي دارت في ذهنه الأفكار الجهنمية كان يعلم أن صاحبه لص من العيار الثقيل وأن نصف أراضي المنطقة أصبحت باسمه وأنه يستغل قريبته التي عيّنها في أحد المراكز السياحية الهامة كمديرة.. ولا ينسى يومها ما قاله لها: طبعاً ما تمتلكينه من جمال ورقة وأنوثة ظاهرة سيسهّل عليك إقناع أي مسؤول مهم بما نخطط له.. أنتِ الواجهة وأنا سأعمل من خلالك على تمرير صفقة العمر.

رئيس البلدية الذي كان يحمل معه الجدار كيفما سار اتقاء للأخطاء وارتكاب المخالفات لم يعلم بالأمر فالسيد أبو كفاح كان يدرك ذلك جيداً، ولهذا عمل على اختراق البلدية من خلال أحد المتزلفين الذي عيّنه أبو كفاح في البلدية ليكون المسهّل لكل عمليات النصب والاحتيال.

لم يطل أبو كفاح الحديث عبر هاتفه الخليوي.. أغلقه وشرد لثوان قليلة ثم هزّ رأسه واغتصب ابتسامة ثم قال: تخيّل ياصديقي أنني الآن كنت أتحدث مع شخصية من الدرجة الأولى في الدولة وقد طلب مني مساعدته في أمر ما.. تخيل.. لم أصدّق نفسي عندما رأيت اسمه على شاشة هاتفي الجوال.. انه يستطيع أن يزيح محافظة من مكانها ليضع بدلاً منها محافظة أخرى. قاطعه الضيف وهو يشعل سيجاراً كوبياً فاخراً: إذاً لماذا لا يزيح عن الخارطة صديقك الذي يقف حجر عثرة في طريقنا.. لولاه لكانت الأرض قد أصبحت ضمن المخطط التنظيمي ولكان ثمنها قد تضاعف عشرات المرات بل مئات المرّات.

التفت أبو كفاح إليه وقال: لقد بات كل شيء في حكم الجاهز.. إن صديقتنا في السياحة قد بذلت مافي وسعها لإقناع المعني بالأمر وماهي إلا أياماً قليلة حتى تكون الأرض ضمن المخطط التنظيمي للبلدية وعندئذ سنسهر معاً ونشرب الويسكي ونتلذّذ بما طاب من شواء وغيره.

ماحدث هو أن صاحبة العيون الجميلة لم تنفعها تلك العيون في أي شيء إذ افتضح الأمر وانتهى كل شيء وبات أبو كفاح وصديقه في مهب الاتهام، وما زالت الأحداث تتفاعل بين أخذ ورد بانتظار ما ستؤول إليه التحقيقات بخصوص أبو كفاح وضيفه ومن كان معهم فهل سنرى نهاية تليق بمن اغتصب الأرض واستثمر نفوذه وأمواله وسطوته أم أن للقضية اتجاهاً آخر سيحطم أحلامنا أكثر ويجعلها في مهب النسيان؟!

العدد 1195 - 23/04/2026