كي لا ننسى…عبد الرزاق دلالة

 دخل صنعة الكندرجية عند عبد القادر جوكان، الذي ملك دكاناً في السويقة لبيع الأحذية الرجالي والولادي. والورشة في خان قرطبة عبارة عن غرفة مستأجرة في الخان.. كان يعمل في مشغل (ورشة) معلم الأحذية عبد القادر جوكان ثلاثة إلى أربعة أجراء وثلاثة إلى أربعة صنايعية. الأجير عبد الرزاق كان يكنس المحل ويقوم بتشميع الخيطان وتغيير الماء المنقوعة فيه الجلود وخدمة بيت المعلم عبد القادر، وأجرته (برغوث في الجمعة). وبما أن عبد الرزاق كان أصغر الأجراء، فإن المعلم كان يرسله دائماً إلى بيته لتلبية طلبات ربة المنزل، ومما ذكره أنه كان يحمل العجين إلى الفرن ويعود بالخبز إلى البيت.. إلخ.

يقول عبد الرزاق: كان من صنّاع الورشة أبو علي شنينة وأبو أحمد بني، وهذان أخذا يتحدثان في الورشة مع الأجير عبد الرزاق وزميله الأجير رضوان رضوان، (أنه فيه حزب للعمال ما يدخل فيه لا أغنياء ولا معلمين، وتحدثوا أنه فيه دولة شيوعية استلم العمال الحكم فيها). أنا ورضوان تحمسنا من كلامهم وطلبنا منهم أن نجتمع مع رفاقهم.. فذهبنا إلى بيت أبو علي شنينة في جب القبة وكان يسكن في غرفة بالأجرة.

حضر الاجتماع، وكان الوقت صيفاً ،1935 صانعان للأحذية: أبو علي شنينة وأبو عبدو بني، والأجيران عبد الرزاق ورضوان رضوان، والصحفي بيير الحلو. قال عبد الرزاق: تكلم شادراوفيان عن الإمبرياليزم، وهذه آخر مراحل الرأسمالية.. ونحن لا نفهم ما يقول. ثم تكلم فرج الله الحلو عن الاتحاد السوفيتي وكيف استلم العمال الحكم، ونحن يجب أن ننشط حتى نصل إلى مطالبنا.

أخذ فرج الله الحلو يتردد على الورشة التي يعمل فيها عبد الرزاق في خان قرطبة، وعندما شعر أن زيارته لعبد الرزاق ورضوان تلفت النظر، صار يأتي مساء بعد انصراف العمال لمقابلتهما والتحدث إليهما في الأمور العامة والثقافية. وبعد أن وثق فرج الله من اليافعَين وتوثقت العلاقات معهما أكثر، شرع يكلفهما بمهمات حزبية.

بعد أن تمرّس أجير مهنة الأحذية، عبد الرزاق دلالة، في النضال، وأبدى فطنة وشجاعة ويقظة أثناء نشاطه، فاتحه فرج الله الحلو بأمر السفر إلى موسكو، وأوصاه بالكتمان وعدم البوح لأحد بأمر السفر.

لأول مرة قال عبد الرزاق: أخذني فرج الله إلى غرفته في حي الجديدة، الغرفة فيها تخت حديد وطاولة دف وكرسي وكتب، وفي هذه الغرفة السرية وضع فرج الله أمام عبد الرزاق مخطط سفره إلى موسكو على النحو التالي: تذهب إلى محطة بغداد وسترى شخصاً طويلاً حبة حلب واضحة في خده، وستذهب برفقته في القطار إلى إسطنبول.

غادرا حلب في أوائل كانون الثاني عام ،1936 ووصلا إلى موسكو في أوائل آذار من عام 1936. ويقول عبد الرزاق: (بقينا ثلاث سنوات في جامعة كادحي الشرق لا نقابل أحداً).. وهما يحملان أسماء حركية.

في صيف 1938 وصل عبد الرزاق دلالة إلى دمشق قادماً من موسكو عن طريق باريس وبيروت، بعد أن أنهى دراسته الحزبية، وفي مكتب الحزب الشيوعي في البحصة، التقى عبد الرزاق بخالد بكداش الذي أصبح المسؤول الأول والشخصية البارزة في الحزب الشيوعي. قدم عبد الرزاق تقريراً عن رحلته الدراسية والمشاكل التي واجهته أثناء العودة. ويقول عبد الرزاق: قالي لي خالد بكداش:( روح على حلب واستريح.

تمكن بجهده الخاص من قراءة الكتب المدرسية ونال شهادة الكفاءة في صيف ،1952 وفي خريف ذلك العام عُيّن معلماً في مدرسة ابتدائية في قرية أبو الظهور، وسرعان ما انتشر خبر نشاطه السياسي الشيوعي، فأتت دورية من الدرك (كبسة) باغتته وفتشت غرفته المستأجرة تفتيشاً دقيقاً بحثاً عن المناشير أو الكتب، ولما لم يجد الدرك شيئاً لفتت نظرهم صورة رجل معلقة في الغرفة، فقالوا له: هذه صورة خالد بكداش؟ ولكن صاحبة المنزل تدخلت وأعلمتهم أن الصورة تخص زوجها المتوفي!

سنة 1956 نقل معلم المدرسة الابتدائية عبد الرزاق دلالة إلى حلب وبقي معلماً فيها حتى اعتقاله في أوائل عام 1959 ، وبقي في السجن مدة من الزمن ولم يطلق سراحه إلا بعد حملة تدجين هدفها قتل الروح الكفاحية لدى السجين السياسي والقضاء على تنظيمات المجتمع المدني ووضع البلاد تحت هيمنة القوى الأمنية.

العدد 1195 - 23/04/2026