الواقع السياحي المتردّي في منطقة الدريكيش!
ما من شك في أن السياحة باتت تشكّل مورداً هاماً من موارد الدخل القومي، وتنافس بقية مصادر الدخل، سواء أكانت صناعية أم زراعية أم تجارية. وقد حبانا الله طبيعةً خلابة ومناظر جميلة تسرّ الناظرين، إضافة إلى مصادر المياه المتعددة، سواء أكانت ينابيع أم أنهاراً موسمية أو دائمة، وحتى الجبال والغابات المنتشرة في أكثر من مكان من محافظة طرطوس.
وتعدُّ مدينة الدريكيش من أهم المصايف في الساحل السوري وأكثرها جمالاً، فالغابات المعمّرة من أمهات أشجار السنديان والبلوط والدلب والتوت، إلى جانب المناظر الطبيعية. أضف إلى ذلك العديد من المواقع الأثرية. تتربع الدريكيش على سفح جبل بازلتي ينساب منه العديد من الينابيع المعدنية الرقراقة، أهمها نبع الدريكيش الشهير.
يحيط بمدينة الدريكيش مجموعة من المواقع الأثرية، أهمها حصن سليمان، وقلعة بيت الشيخ ديب، وقلعة الكيمة، وبرج تخلة، وغيرها من المغاور والكهوف: كمغارة السواح في قرية بيت الخدام، ومغارة بيت الوادي. وتبعد الدريكيش عن مركز محافظة طرطوس نحو 35 كم، وعن مدينة صافيتا نحو 17 كم، ويتبع لها أكثر من 120 قرية موزعة على ثلاث نواحٍ هي: دوير رسلان، وحمين، وجنينة رسلان . وأذكر أن العديد من أبناء منطقة الدريكيش كانوا يؤجرون الأسطح للوافدين إليهم من بقية المحافظات السورية بقصد السياحة والاستمتاع بتلك المناظر عند امتلاء الشقق (على قلتها في ذلك الحين). وكان اسم مدينة الدريكيش مرتبطاً بمياهها المعدنية وبتربية دودة الحرير، حتى أطلق عليها اسم مدينة المياه والحرير. لكن حرفة تربية دودة الحرير، للأسف، قد انقرضت أو تكاد، بسبب جملة من الصعوبات والمعوقات التي عاناها أصحاب تلك الحرفة، ولا داعي لذكرها الآن، لأننا قد فصلناها في ريبورتاج سابق. أما مياهها فتصل إلى مختلف محافظات القطر، ومنها ما يصدّر إلى الخارج بعد إقامة معمل لتعبئة المياه المعدنية في الدريكيش.
وللوقوف على حقيقة الواقع السياحي المتردّي على الرغم مما ذكرنا، تعالوا معنا لنستمع إلى بعض الآراء بهذا الخصوص:
السيد مصطفى إسبر، مدير دائرة السياحة في الدريكيش، أكد أهمية الدريكيش السياحية، وأوضح أنه يشعر بالقهر عند الحديث عن الواقع السياحي. فكل المقومات الطبيعية موجودة، ولكن تبقى المشكلة في الخدمات. فمثلاً لا يوجد في الدريكيش فنادق يمكن للسائح استخدامها، إذ يوجد فندق البرج الفضي، وتصنيفه نجمة واحدة، في حين يوجد فندق آخر هو فندق الدريكيش السياحي الذي مضى على إغلاقه قرابة 8 سنوات، وهو حتى الآن بين أخذ ورد بين المستثمر وبين مجلس بلدية الدريكيش الذي يماطل ويماطل في فسخ العقد دون معرفة السبب! ضمن مدينة الدريكيش لا توجد مطاعم أو كافتريات تليق بالسائح . لدينا مطعم العربي وهو على حاله منذ عشرات السنين. ريفنا من أجمل الأرياف ليس فقط في المحافظة بل على مستوى سورية، لكن تنقصه الخدمات!
نحن الآن بصدد إصدار خريطة استثمار سياحي للمنطقة، وسوف تتضمن المشاريع المقامة والتي هي قيد الإنجاز. وهناك أيضاً خطط مستقبلية يمكن العمل على استثمار بعض المواقع، كغابة النبي متى مثلاً. وهناك موقع أثري كان مجهولاً بالنسبة إلينا، وأقصد هنا قلعة بيت الشيخ ديب التي عملتُ شخصياً من أجل استكشافها، وقد تبين لي أنها على مساحة تقدر بنحو 17 دونماً. هناك عدد من المشاريع قيد الإنجاز، نذكر منها على سبيل: المثال مشروع بوردة، وهو عبارة عن مطعم مع إقامة. ومشروع آخر في قرية زغرين يتضمن صالتين فيهما بحدود 750 كرسياً، ومشروع مطعم مشرفة كحلة.. إلخ. ستضاف هذه المطاعم إلى جملة مطاعم في ريف الدريكيش، نذكر منها: قيس وليلى والعيدون وبيت الوادي وعين الكبيرة. وكل هذه المطاعم مصنفة تقريباً. وعلى ذكر بيت الوادي فإنه من المتوقع فتح باب المغارة الذي أقفلته مديرية السياحة والمياه منذ سنوات عديدة. هذه المغارة فريدة من نوعها لجمالها من الداخل، ولوجود نبع المياه الذي يروي عدداً من القرى في المنطقة، ويبلغ عمق المغارة نحو 600 متر.
شيء آخر أود الحديث عنه، وهو الأثر السلبي للتأخير في إنجاز مشروع سد الدريكيش الذي لو أنجز لشكَّلَ قفزة كبيرة لجهة الاستثمار السياحي في الدريكيش!
وفي معرض رده على سؤال عن المهرجانات التي كانت تقام في الدريكيش، أوضح الأستاذ مصطفى أن أهم مهرجان كان يقام في الدريكيش هو مهرجان المياه والحرير. ولكن المهرجان متوقف منذ العام ،2006 بعد المشاكل المالية التي حدثت بعد آخر مهرجان. الآن تشهد الدريكيش حركة كبيرة وازدحاماً غير مسبوق. فمن الصعب عليك أن تجد شقة فارغة، وطبعاً كان للأوضاع التي تمر بالبلاد تأثير مباشر على ذلك.
الأستاذ إيهاب يوسف رئيس فريق عمل نفاذ الدريكيش، تحدث بمرارة عمّا آلت إليه الحال السياحية في الدريكيش، فقال: أنا متشائم جداً من الحال السياحي، لأن الحد الأدنى من الخدمات السياحية معدومة بسبب القائمين على الدوائر والمؤسسات الخدمية، ومن قبل مجلس مدينة الدريكيش، حيث الإدارات السيئة لتلك المؤسسات. فمثلاً: ما الذي يمنع مجلس مدينة الدريكيش من توزيع سلال المهملات على الكورنيش، بدلاً من تراكم الأوساخ، سواء على الكورنيش أم في المنطقة المحيطة به، والتي يفتعلون حرائق سنوية فيها؟
منذ الثمانينيات حتى الآن سار واقع الحال السياحي في الدريكيش نحو الأسوأ، بسبب بعض العقليات والذهنيات المنغلقة على نفسها والتي لا تملك أي روح مبادرة أو أي خطة عمل للنهوض بالواقع السياحي! الإنارة سيئة والشوارع أيضاً، وقد قاموا بتزفيت بعض الشوارع (رفع عتب). أما الفنادق فأنا أتساءل: لماذا يماطل مجلس مدينة الدريكيش منذ نحو 8 سنوات مع المستثمر؟! لديهم ادعاءات واهية لا تقنع أحداً، وخير دليل على كلامي هو أنهم دوماً يتذرّعون بالميزانية. الدريكيش بحاجة إلى من يحبها من جيل الشباب، وأعتقد أن السياحة لا تحتاج إلى هذه المبالغ الطائلة. فالطبيعة الجميلة والمياه العذبة المعدنية والأنهار والغابات كلها تدر أموالاً ولا تحتاج إلى موازنات ضخمة على النحو الذي يتحدثون عنه. فمثلاً: هل تنظيف محيط نبع الدريكيش وإنارته يحتاجان إلى مبالغ طائلة؟!
إن مركز نفاذ الدريكيش يقوم بالترويج السياحي عبر النافذة الإلكترونية، وعبر منتدى الدريكيش الثقافي. لكن، والحق يقال إن معظم الجهات الحكومية في المنطقة لا تتعاون معنا على النحو المطلوب، إذ كان من الممكن أن ننشر جميع الأخبار ساعة بساعة، ولكن لا حياة لمن تنادي! أخشى على المساحات الخضراء من تجار العقارات، وأخاف أن يأتي يوم لا نجد فيه ظل شجرة. وفيما يتعلق بمهرجان المياه والحرير لا أعتقد أن الأسباب وراء توقف المهرجان مالية. ثم دعنا نقارن بين الدريكيش والمناطق المحيطة بها، سواء أكانت صافيتا أم مشتى الحلو، من ناحية المهرجانات والنشاطات السياحية!
رئيسة بلدية الدريكيش المهندسة نسرين بدر تحدثت بشيء من العصبية عن الصعوبات المالية التي تعترض النهوض بالواقع السياحي، وأوضحت أنه تم صيانة العديد من الطرق في المنطقة حسب الإمكانات المتوفرة. وتحدثت المهندسة نسرين عن عدم النظر بزيادة الرواتب عند رصد الميزانيات للبلديات، فهذه الزيادة التهمت قسماً كبيراً من كتلة التحسين والصيانة والتطوير. أما عن الكورنيش فقد قالت بأنه قد أُنير أكثر من نصف المسافة، وبقي نحو 500 متر ستُنار قريباً. وفيما يتعلق بفندق الدريكيش السياحي أوضحت بأنهم أعطوا المستثمر مهلة شهر لكي يطلب من النائب العام السماح بفسخ العقد. لكن وكما فهمت من بعض المصادر فإن المستثمر غير مبال بهذا الإنذار الذي لم يكن الأول ولن يكون الأخير.
أخيراً.. إذا كانت البلاد تمر بظروف استثنائية، فكل ما يتمناه المواطن ألا تكون تلك الظروف شماعة يتم تعليق الفشل والمماطلة والتسويف عليها، تهرباً من واجب العمل والمتابعة والمراقبة.
إن ذهنيات بعض المديرين وطريقة تفكيرهم ومعالجتهم للمشاكل تنعكس سلباً على عمل الدوائر التي كُلِّفوا بإدارتها. وأعتقد أن المدير المهزوز من قبل الموظفين لديه أو المراجعين لن يتمكن من تقديم أي شيء، بل على العكس سنشهد تراجعاً في الخدمات، مما يؤثر سلباً على المواطن، وبالتالي على الوطن ..!