جناحان مقصوصان

ندخل عالم الجامعة والتعليم العالي أو المتوسط على بساطٍ من الأحلام والآمال بما سيكون عليه مستقبلنا بعد التَّخرُّج، خصوصاً إن كانت دراستنا تتوافق وطموحاتنا ورغباتنا، ونظن بأن الحلم قد تحوَّل إلى حقيقةٍ حينما نمسك الشَّهادة بيدنا ونلج سوق العمل، ليكون أول أمرٍ يعترض تلهُّفنا واندفاعنا سؤالٌ واحدٌ: أين نجد فرصتنا المنشودة؟ في القطاع العام بمؤسساته ومجالاته المحدودة إنما المضمونة في المستقبل البعيد حين الوصول إلى سن التَّقاعد؟ أم في القطاع الخاص المتنوِّع المجالات ومنها المادية دون ضماناتٍ أو تأمينٍ أو أمانٍ بالبقاء؟

في القطاع العام ضماناتٌ عدَّة، أثناء الحياة العملية وما بعدها، لكن المردود المادي لا يتناسب أبداً مع المؤهِّلات والقدرات وحجم العمل، مما يضطرُّ الجميع للبحث عن عملٍ آخر وربما عملين لرفد المدخول للوصول إلى معيشةٍ تتناسب والوضع الاقتصادي الحالي المتردِّي يوماً بعد يوم، إنَّما تبقى الضَّمانات الاجتماعية والصِّحية(على جزئيتها) وشعور الأمان بعدم الفصل التَّعسفي الدَّافع الأكبر لاختيار العمل في هذا القطاع وبقاء احتمالية العمل في القطاع الخاص في المرتبة الثَّانية حين لا تسنح الفرصة للعمل في مؤسسات الدَّولة، وهنا يكون الرَّاتب هو المغري في العمل لعدم توافر إغراءات أخرى.

فالمعادلة غير متوازنة، ضماناتٌ لحياةٍ مهنيةٍ وأخرى لما بعد التَّقاعد مترافقةٌ مع البحث عن مردودٍ إضافيٍّ أم موردٍ مالي مرهونٍ بالخوف المستمر لانعدام أي تأمين أو ضمان ولارتباط مدَّة الخدمة بعقلية ومزاجية ربِّ العمل!

جميعنا ندرك أنَّ كلا القطاعين يكمِّلان أحدهما الآخر، ولا يمكن لأية دولة النَّجاح بلا هذين الجناحين معاً، إلاّ أنَّ غياب الحقوق الفعلية الحامية للعامل في القطاع الخاص وتغييب القوانين النَّاظمة له على عكس المؤسسات الحكومية، أو ضعف المردودية المادية والارتهان للعلاقات الشَّخصية والمحسوبيات في هذه الأخيرة يجعل من حلِّ المعادلة أمراً صعباً، فلمَ لا تجتمع كل هذه المعايير في الاثنين معاً ومن ثم يُترك الخيار للمواطن في تحديد مجال عمله ومع أيٍّ منهما؟ أليس هذا ما يمكِّن العمل عموماً من الوصول إلى ما هو مطلوبٌ منه ألاّ وهو النَّهضة بالواقع الاقتصادي للبلاد على كل المستويات وتحقيق التَّطور المنشود؟

فإن توفَّرت الضَّمانات الاجتماعية والصِّحية والتَّقاعدية مع راتبٍ جيدٍ يغدو العمل لأجل الصَّالح العام وليس بحثاً عن مصلحةٍ شخصيةٍ خاصة، لأننا كمواطنين لنا الحق في عملٍ يضمن لنا القدرة على تأمين متطلبات الحياة الكريمة أثناء العمل وما بعده دون قلق من اليوم والغد معاً، لنتمكن من العطاء بما يتوافق وقدراتنا وإمكانياتنا وقناعاتنا أيضاً بخدمة هذا البلد الذي منحنا الكثير ومن حقِّه علينا رفده بكل ما نملك!!.

العدد 1188 - 25/02/2026