السعودية تستبق التحولات الدولية بالتخصيص
موضوع أسعار النفط وآليات العرض والطلب ليس موضوعاً اقتصادياً بحتاً، إذ لا توجد قرارات اقتصادية من أجل خسارات اقتصادية في النفط إلا من أجل أهداف سياسية معينة هي في الواقع دولية تتجاوز الدول المصدرة له. وسعر النفط مقياس هام يحدد درجة احتدام الصراعات الدولية، أما فكرة انخفاض أسعار النفط على أنه لضرب الطاقة البديلة فهو في الحقيقة سبب ثانوي، ولايعدو ضرب سوق النفط البديل الناشئ عن الوقود الصخري (الشيل) سوى نتيجة وليس سبباً. بالنسبة إلى السعودية التي تنتج نحو 10 ملايين برميل يومياً، ويمكن أن يرتفع أكثر بقليل عند ذروة الإنتاج، والنفط ثاني أقوى سلاح بعد الأيديولوجيا الدينية في تمرير سياسات المملكة على الصعيد الإقليمي. المواجهة الاقتصادية بين إيران والسعودية ستؤدي إلى استنزافهما بالنتيجة، وسوف تؤدي إلى ضرر سياسي واقتصادي لكليهما. لقد أعلنت السعودية عن عجز في الميزانية عام 2015 بلغ نحو 98 مليار من أصل 670 ملياراً من احتياطياتها النقدية، وتتوقع عجزاً نحو 86 مليار دولار عام ،2016 تبعه ذلك هبوط حاد في أسعار الأسهم السعودية.
وتحاول الرياض تعويض انخفاض أسعار النفط على اقتصادها في مجالات أخرى، وهي تمكنت في عام 2015 من رفع نسبة الأرباح غير النفطية إلى 29%. لكن هذا في الواقع لايعوض الخسائر الهائلة لانخفاض أسعار النفط، التي يمكن تؤدي بها إلى أضرار استثمارية وتنموية كبيرة على المدى البعيد. يدرك القادة السعوديون هذا الأمر جيداً، لذلك بدؤوا يفكرون جدياً بمسألة تخصيص المنشآت العامة كأحد الحلول الناجعة لسد العجز في الميزانية، وهذا ماصرح به الأمير محمد بن سلمان لصحيفة الإيكونوميست: (السعودية تخطط لتبني برامج خصخصة قطاعات الصحة والتعليم وعدد من الشركات المملوكة للدولة، ومنها تخصيص شركة أرامكو)، وقال: إنها في مصلحة السوق السعودية وفي مصلحة أرامكو السعودية). تبعها تصريح لرئيس مجلس إدارة شركة أرامكو خالد الفالح أن التخصيص سيتطلب وقتاً، ووصف الاكتتاب العام على أسهم الشركة بأنه خطوة (جدية).
شركة أرامكو التي تمثل صولجان القوة للملكة السعودية والقلب الاقتصادي لها، تُقدَّر أصولها النفطية بنحو عشرة أضعاف قيمة أصول إمبراطورية (ايكسون موبيل)، أضخم شركة للنفط في الولايات المتحدة والعالم الغربي. أرامكو ليست شركة منتجة للنفط فقط بل عملاق اقتصادي يتضمن شركات إنتاج وتطوير، وعدداً من المصافي النفطية، وشركات بتروكيميائيات ونقل، وأساطيل جوية وبحرية وبرية ومؤسسات إدارية وخدماتية وطبية ورياضية متنوعة، إضافة إلى احتياطي هائل من النفط والغاز، ولها فروع في جميع قارات العالم ومعظم الدول الصناعية. وهي أكثر من ذلك، وهنا تكمن أهميتها، بأنها واحدة من أهم المؤسسات التقنية المسؤولة عن إيرادات النفط لدول العالم. إن السؤال الهام الذي يُطرح هو لماذا ستقوم المملكة بتخصيص شركة أرامكو، أو على الأقل جزء منها للعـــــــــــموم، وهي أحد ضمانات لبقاء آل سعود وربما المملكة بذاتها؟.
إذا ماقارنّا توقيت إعلان تخصيص أرامكو يتبادر إلى الذهن فوراً موضوع إيران والاتفاق النووي التاريخي بينهما والولايات المتحدة. ويمكن مقارنة إعلان التخصيص مع اضطراب المحيط الاستراتيجي للمملكة، واحتمالية تدهور نفوذها الإقليمي على المدى المتوسط، خاصة في سورية والعراق واليمن. ويمكن أن نعزو التخصيص إلى سبب داخلي يتعلق بالزيادة الحادة في الإنفاق العسكري بين عامي 2012 و،2015 والتراجع الحاد لإيرادات النفط للعام الماضي. إن العوامل السابقة مجتمعة هي التفسير الأفضل، لكن يبقى هناك ميكانيزية حاسمة للقيام بفعل التخصيص هو الشعور العميق بالخطر الوجودي وموضوع البقاء من عدمه، ونقصد بقاء نظام آل سعود، هذا الشعور هو العامل الحاسم بالتأكيد ليتخلى هذا النظام عن صولجانه. إن أي اكتتاب على شركة أرامكو سيكون الاكتتاب الأكبر في التاريخ على ماذكرته الصحافة الغربية، أي من منظور معين يصبح أمن بقاء النظام السعودي من مصلحة النظام الاقتصادي العالمي. فهل من معطيات جديدة لدى الرياض تدفعها إلى هذه الخطوة الكبيرة في تخصيص أرامكو؟
إن إعدام الشيخ النمر بداية هذا العام مع 46 شخصاً آخر، هو رسالة للولايات المتحدة من جانب، ورسالة إلى الداخل السعودي من جانب آخر، تفيد بأن الرياض لن تسمح بأي تغييرات تطولها مع التحولات الدولية المترافقة مع الاتفاق النووي الإيراني والتراجع الاستراتيجي لها في سورية بعد معركة ريف حلب.