عازف النهار

بأصابعه الغضة يقلب آلة العزف ويقربها من فمه، ليبثها لحن قلبه المتعب الصغير، كان يجلس جانب الطريق حسبت أنه يتوسل بطريقة مبتكرة إلى الناس في بضعة نقود، لكنني حدقت النظر جيداً فالطفل لا يمد يداً ليأخذ مالاً، بل يحاول العزف من جديد كلما عثر به لحن، ولعل تلك الأنغام (الطفولية) التي بثها في زحام الوقت والناس وأصوات الباعة وفوضى المكان، من استوقفتني بعض الوقت لأذهب مع طفل شجي العزف ولأنتبه إلى أن محاولاته المتكررة عثرت أخيراً على ما يشبه لحن أغنية أعرفها، هكذا كانت طريقته في الحوار مع الناس، لم يتكلم أبداً ولم تنطق شفاهه بكلمة واحدة، بل استطاعت الأصابع الصغيرة الناحلة من أن تلتقط لحناً نهارياً نسمعه على عجل فيستوقفنا لنعود ونصغي لبقيته.

على الأرجح أن الطفل لم يتجاوز العاشرة من العمر، ولعله كان في مدرسة موسيقية تركها مرغماً، ولعله فقد بعضاً من أسرته، هي الحرب إذاً من جعلته فنّان المصادفة في الأزمنة الموحشة، يسعدك وهو يتألم، وينظر مترفون إليه بأنه مجرد مُسلِّ لا أكثر، فيما يحدق كثير من المارة في أنغامه البريئة كأصابعه وعينيه وقلبه الذي تقافز بين أصابعه، لم يرفع وجهه أبداً إلى المارة، ليرى أثر عزفه في عيونهم بل استمر بكل ثقة وكأنه فرد في فرقة موسيقية كاملة غير منقوصة، وأمامه المايسترو يوجه له تعليماته بدقة، كان هو الطفل ذاته الخارج عن نص النهار، ونص النهار جاد بما يكفي مرهقون ومنتظرون وغائدون ورائحون، يمضون مع النهار حتى نهاياته انتظاراً لشيء، أما ذلك المنتظر الصغير فقد حُجز لحظة من الزمن ليصبح بذاته زمناً آخر، يمضي إلى نهايات العزف بعدما تمكن من أغنية ربما ابتكرها على عجل، ليلون تلك  الهنيهات من النهار ويترك لدى سامعيه صدى ما، إذ أن النهار لم يمضِ مجاناً، مضى (بسكّرة) ظريفة ألقت على السمع متعة سريعة كفرح عابر، فمن أين أتى ذلك الطفل الرهيف، أمن قعر ألم أم من حكايات الأحزان التي فاضت بها مدونة الألم السوري، حتى بدا كأنه لا يواسي زمانه فحسب، بل يواسي أزمنتنا السريعة  العابرة إلى اللا شيء ربما!.

لم يفتح الطفل ذاكرتي على طفل (ماسح الأحذية) ذلك الفيلم الماتع الذي حضرته، بوصفه طفلاً آنذاك، ولا على أطفال الشوارع الخلفية في السينما الأمريكية المعاصرة، ولا على باعة اليانصيب الجوالون في الأزقة الشعبية الضيقة، من يحملون الحظ لغيرهم، ولا حظ لهم على الإطلاق، سوى أنهم يعدونك بشيء ما يشبه الجائزة الكبرى، أما هم فنصيبهم في الحياة أنهم أسرى مسرح عبثي بلا هوادة، لا تنتهي أدوارهم فيه بمجرد إطفاء الأنوار وإسدال الستارة، بل ربما كانت لهم أدوار أخرى خفية، لا يعلمها إلا الله وآبائهم، أو من تبقى من آبائهم، على قيد الحياة أو الحلم.

على درج المشاة إذاً كان الطفل يوزع أزمنة أخرى على عابري الوقت الأخير، علّهم يرمقونه بابتسامة عاجلة تكافئ اجتهاد أصابعه وبراعته في العزف على آلته المسكينة، وددت لو أسأله من أين أتى، وكيف يعيش، وهل هو حقاً جاد في بيع آلته؟، لكنني خجلت حينما التقت عيناي بعينيه، ورأيت فيهما انكساري فصمت وقلت في نفسي، سأنصت إليه مجدداً وأصغي لترانيمه فقد كان الطفل فيَّ يشاطره العزف صمتاً وإعجاباً، ويتبادل معه المكان، لا لشيء، بل لتكفّ الطفولة عن أسرها، وهو على الأرجح أيضاً لم يعلم أنه في يوم الطفل العالمي، إذ بدأ بإحيائه على طريقته دون أن يشغل باله بالتقاويم والمفكرات، وجملة شديدة الالتباس حدث في مثل هذا اليوم.

العدد 1195 - 23/04/2026