أسماء ودلالات

 نشرت صحيفة (الثورة) على صفحتها الأخيرة من عددها الصادر بتاريخ 26/11/2015 خبراً مفاده أن سيدة روسية أطلقت اسم (سورية) على مولودتها الجديدة تيمناً بهذا البلد الذي توجه إليه زوجها العسكري مؤخراً ضمن عداد القوات الجوية الروسية التي تحارب التنظيمات الإرهابية المسلحة، وبحسب الخبر فإن هذه الطفلة هي المواطنة الروسية الأولى التي تحمل هذا الاسم في عموم روسيا.

دلالة هذا الخبر على بساطته أبلغ من كل شرح  أو تعليق خاصة في ظل التطورات والتبدلات العميقة التي أفرزتها الأزمة السورية وتداعياتها على المشهد الدولي، ولا شك أننا كسوريين لا نملك إلا أن نشعر ببالغ الامتنان إزاء مثل هذه المواقف واللفتات المعبرة عن التضامن والتعاطف مع قضيتنا التي تستحق أن نوليها قدراً أكبر من الاهتمام والمتابعة وأن تفرد لأمثالها مساحة أوسع من مجرد بضعة سطور في صفحة منوعة.

حين قرأت هذا الخبر طفت على سطح ذاكرتي عفواً صورة مألوفة لصبية سمراء لطالما رأيتها في أيام اليفاعة تروح وتغدو على درب نبع الماء في ضيعتنا حاملة جرّتها على كتف تاركة لكتفها الآخر مهمة تأبّط رزمة زوفا  أو زعتر بري.. كان اسمها روسيا، وعلى وجه التقريب، تبلغ بنت ضيعتي روسيا من العمر اليوم عقدها الخامس  أو تكاد، ولا أخالها الأولى التي حملت هذا الاسم في سورية، فهل خطر لتلك السيدة الروسية أن في سوريا من أطلق اسم بلدها على ابنته منذ ما يناهز نصف قرن على الأقل؟ بل هل تعلم تلك السيدة عدد السوريات اللواتي يحملن هذا الاسم؟ شخصياً أعرف على الأقل اثنتين منهن سوى بنت ضيعتي، وهل تعلم صديقتنا الروسية أو أيّ من مواطنيها كم لدينا في سورية من فتيات وسيدات يحملن أسماء ناتاشا وفالنتينا وكاترين؟

أكثر من ذلك.. هل يصدق أحد في روسيا وفي غيرها أن ثمة أباً سورياً – أعرفه معرفة شخصية أيضاً – اختار منذ عقود أن يسمي طفلتيه (نتالي) و(كاتيوشا)؟

هذه هي روسيا في وجدان السوريين، وعلى وجه الخصوص منهم أبناء الجيل الذين قُدّر لهم أن يعايشوا العصر الذهبي لحقبة الحلم السوفيتي الاشتراكي أواسط القرن العشرين، في حين كان الآخرون في بقاع شتى من العالم يلهثون وراء السراب الأمريكي الغربي، روسيا العظمى بلد العشرين مليون شهيد.. روسيا ستالينغراد وكورسك..روسيا تولستوي وغوركي.. روسيا تشايكوفسكي وريمسكي كورساكوف.. روسيا يوري غاغارين وفالنتينا تيرشكوفا .. روسيا كاربوف وكاسباروف…

منذ أكثر من قرنين قالت الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية: (مفاتيح الكرملين موجودة في دمشق)! وكانت تعي ما تقول ولا شك، واليوم صديقتنا الروسية تؤكد باختيارها الموفق لاسم ابنتها مقالة جدتها العظيمة..إنه التاريخ يتحدث فأنصتوا يا أولي الألباب!

العدد 1195 - 23/04/2026