شوارع يوم الجمعة! شيء ما تنقله العين إلى الدماغ ثم إلى القلب!
غابت عاداتنا اليومية التي كنا نمارسها قبل الأزمة، وعلى نحو أدق تغيّرت، فالأصدقاء تفرقوا، والنفوس حالها حال، والشجاع غزاه الخوف، والكريم أمسك يده، وكتابة المزيد عن ذلك تحيلنا إلى زمن يكتب عنه البديري الحلاق، فيصف حالاً ما مر به الناس، فصارت المدينة غير المدينة التي يعرفها وصارت الشوارع والحارات غير الشوارع والحياة التي يعرفها!
وسيسأل سائل: ما الذي جرى للمدينة؟!
ويأتي الجواب: إنها الحرب!
أتعرفون معنى الحرب؟ إنها واحدة من البلاوي تصيب الإنسان كالأوبئة والزلازل، فعندما تأتي الحرب تأكل الأخضر واليابس، فيموت كثيرون ويتشرد كثيرون ويتغير الناس، وهي حالة شبيهة بالحالات التي تصيب الناس في حالتَيْ الأوبئة والزلال فعلاً!
يوم الجمعة الماضي، نزلت إلى الشوارع.. كان هذا الشعور ينتابني، وليس عيباً أن ينتابنا هذا الشعور في لحظة من اللحظات، فما تتعرض له البلاد منذ ثلاث سنوات، وما يتعرض له العباد أكبر من حرب وأصغر من يوم القيامة!
نزلت إلى الشوارع، وكأن القلب يقول لي: ينبغي الخروج من البيت، لعل الهدوء الذي يرافق يوم الجمعة يخفف من ألم النفس قليلاً، ويفرج النفس من حالة الضيق إلى حالة الفرج!
رأيت في الشوارع والأسواق شيئاً لم أكن أتوقعه، فالمحلات مغلقة، والسيارات قليلة، والمارة يعدون على الأصابع، لكن الذي فاجأني أن شيئاً ما راح يفعل فعله في المارة.. أخذني هذا الشيء من لحظة اليأس إلى لحظة الأمل!
كل منا يعرف جيداً أهمية الحالة التي تصيبه عندما يمر بهذا الانتقال النفسي: لحظة يأس = لحظة أمل، والفارق بين اللحظتين لحظة ثالثة!
فما الذي حصل؟!
كانت الشوارع تتلون بألوان العلم الوطني..!
وألوان العلم الوطني هي رسالة.. ترسلها العين مباشرة إلى الرأس والدماغ، فيحولها الرأس والدماغ سريعاً إلى معنى، ثم يرسلها إلى القلب، فيخفق القلب بالانتماء، وترتاح أوصال الجسد..
يحدث هذا في كل الحالات، وفي حالة من حالاتنا كان الشعور من نوع جديد:
شاهدت عيناي ألوان العلم الوطني: الأحمر والأسود والأبيض، وعلى مساحة اللون الأبيض رسمت نجمتان باللون الخضر.
كل محل تجاري أغلق بابه، وفي لغة السوق: كل باب يسمى (غلق).. على هذا الغلق، وهو بمساحة جدار المحل الخارجي رسم العلم الوطني، فصارت الأسواق ترتدي العلم بطريقة جديدة.
هي رسالة، وكما قلت لكم: الرسالة في هذه الحالة لها علاقة بالعين والدماغ والقلب، ولأن المارة كانوا قلة، فقد لاحظت سريعاً أن في نفس كل واحد منهم تتكون حالة الأمل بأن الوطن بخير..
ازداد عدد المارة، ومع ازدياد عددهم كانت تكبر الفكرة، أن من الضروري أن يمر السوريون في أسواق مدنهم الملونة بالعلم الوطني يوم الجمعة، لأن ثمة شيئاً سيجري في لحظة واحدة.. هذا الشيء ينتقل من العين إلى الدماغ، فالقلب، ليخفق هذا الكائن الأسطوري الذي يصنع المحبة!