أوربا.. مخاض عسير لولادة ربيع من رحم الخريف
متابعة الدكتور سلمان صبيحة:
ماتزال تشهد عدة مدن أوربية احتجاجات تتوسع يوماً بعد يوم، وإلى جانب الطلاب والشباب وحركة السترات الصفراء والمتقاعدين، بدأت تنضم شرائح اجتماعية وقوى سياسية أخرى يغلب عليها الطابع اليساري والعمالي، تتحد كل هذه القوى وترفع صوتها ومطالبها ضد تدهور جوانب حيوية من معيشتها، مثل التعليم والسكن، وضد سياسات التقشف، وارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار، وتدهور نمط العيش.
يشبه البعض هذا الحراك الأوربي المتواصل بـ(ثورات الربيع الأوربي) أو بـ(ربيع الشعوب) التاريخية التي حدثت عام ١٨٤٨، والتي استهدفت تغيير الخارطة السياسية والملكيات المطلقة في أوربا في ذلك الحين، ولكنها ليست إعادة للسيناريو نفسه بالتأكيد، بل يعتبرونها (انتفاضة تصحيحية) من داخل النظام الديمقراطي نفسه، وأن الاحتجاجات الأوربية التي تجري حالياً، هي تعبير مركز عن أزمة اقتصادية وسياسية مركبة وحادة يمر بها العقد الاجتماعي في أوربا، حيث تشعر الطبقات الوسطى والشباب بأن الديمقراطيات الغربية لم تعد قادرة على تأمين الرفاهية الاقتصادية والاستقرار المعيشي، وخاصة مع بروز أزمات الطاقة وانعكاس الحرب الروسية الأوكرانية على أوربا، وبناء عليه يظهر اعتقاد، بأن هذه التحركات وبهذه الضخامة وسرعة انتشارها بين الدول الأوربية، ما هي إلا تعبير عن صياغة جديدة لأزمات القرن الحادي والعشرين (قرن الإمبريالية المتوحشة التي تستميت للحفاظ على هيمنتها)، مما يجعلها موجة غير مسبوقة بآلياتها، وإن تشابهت مع حراك عام ١٨٤٨، في مظهرها العام المتمثل في انفجار غضب الشارع .
فإذا كانت الاحتجاجات التي اجتاحت أوربا في عام ١٨٤٨، وصفت بـ(الربيع الأوربي الاقتصادي والاجتماعي)، وكان هدفها هو (بناء الدولة الحديثة)، وإحداث تحول سياسي جذري، فإن الاحتجاجات التي تجري حالياً في أوربا، نلاحظ أن شعوبها لا تريد إسقاط ديمقراطياتها، بل تريد (إصلاح مسار هذه الديمقراطيات) وحمايتها من التآكل الاقتصادي والاجتماعي.
من خلال تتبع الأحداث نلاحظ أن ما يجري الآن في أوربا هو إعادة لروح (ربيع الشعوب)، من حيث التضامن العابر للحدود وكسر حاجز الخوف والرفض الجماعي للسياسات الفوقية، لكنه يتشكل في قالب صراع على (العدالة الاجتماعية)، وتوزيع الثروات وأولويات الإنفاق العام في عصر الإمبريالية المتوحشة، والأزمات الجيوسياسية المعقدة.
وللتوضيح أكثر نبين أوجه التشابه والاختلاف بين الحراكين، حراك عام ١٨٤٨، وحراك عام ٢٠٢٦:
أولاً – أوجه التشابه (لماذا تبدو كإعادة لربيع الشعوب؟):
١- في عام ١٨٤٨، كانت أزمة المحاصيل والركود الصناعي والبطالة هي الوقود الرئيسي للثورات، واليوم تشهد مدن أوربية كبرى (مثل باريس، وميلانو، ولشبونة، وبروكسل وغيرها) غلياناً شعبياً تقوده أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم الحاد وأزمة السكن الخانقة وتراجع الإنفاق على التعليم.
٢- مثلما انتشرت ثورات عام ١٨٤٨ كالنار في الهشيم من باريس إلى فيينا وبرلين وميلانو دون تنسيق مسبق، نرى اليوم موجة غضب متزامنة تجتاح عدة دول أوربية في وقت واحد، وتتأثر الجماهير بزخم الحراك في الدول المجاورة بفضل سرعة انتشار المعلومات.
٣- قاد طلاب الجامعات والشباب حراك عام ١٨٤٨ ضد الأنظمة الملكية، وفي الموجة الحالية يبرز جيل الشباب والكتل الطلابية كقوة دفع أساسية في الشارع (كما في احتجاجات المدارس والجامعات في فرنسا، وبلجيكا، وصربيا)، وكذلك احتجاجاً على ظروفهم المعيشية ومستقبلهم الاقتصادي.
٤- في المرتين، هناك شعور جمعي بأن النخبة السياسية الحاكمة معزولة عن الواقع وتعيش في برج عاجي، مما يفقدها الشرعية الشعبية.
ثانياً – أوجه الاختلاف (لماذا تختلف الأهداف والآليات؟):
١- في ربيع الشعوب عام ١٨٤٨، قامت ثورات ضد أنظمة ملكية استبدادية وإمبراطوريات مطلقة (مثل هابسبورغ)، أما الانتفاضات الأوربية الحالية، فكانت عبارة عن احتجاجات داخل أنظمة ديمقراطية ليبرالية قائمة بالفعل.
٢- في انتفاضات الثورات (عام ١٨٤٨)، كان الهدف الأسمى متمثلاً في المطالبة بـتأسيس الدساتير، الحريات الأساسية، وحق الاقتراع، وبناء الدول القومية، أما حراك (عام ٢٠٢٦) فهو من أجل المطالبة بـالعدالة الاقتصادية، وإعادة توزيع الثروة، وحل أزمة التضخم والسكن، ومحاربة الفساد المؤسسي.
٣- في عام ١٨٤٨ كان المستفيد هو صعود التيارات الليبرالية والقومية والاشتراكية الناشئة، أما في الحراك الحالي، فيظهر جليا تعاظم قوة اليمين المتطرف والشعبويين (مثل مارين لوبان في فرنسا) الذين يستغلون هذا الغضب لحصد مكاسب انتخابية (رغم المشاركة الواسعة للقوى اليسارية والتقدمية).
ما هو المتوقع من الاحتجاجات الأوربية الحالية، وكيف يمكن أن تنتهي؟
بناءً على التجارب التاريخية والواقع الحالي، يرى المحللون أن هذه الموجة ستنتهي عبر مزيج من المسارات وفقاً لخصوصية كل دولة بالشكل التالي:
١- الردع الأمني والتشريعي الحازم، المتمثل باستنفار قوات الأمن، وحظر تغطية الوجه، وتمرير قوانين صارمة تغرّم مثيري الشغب بتعويضات مالية باهظة (مثل التوجهات الحالية في فرنسا وبلجيكا).
٢- امتصاص الغضب بتنازلات تدريجية، عن طريق لجوء الحكومات إلى تقديم حزم إصلاحية جزئية، مثل مراجعة ميزانيات التعليم، أو تقديم وعود برفع الحد الأدنى للأجور، أو كبح أسعار الطاقة.
٣- تسويات سياسية وصناديق الاقتراع، من أجل تحول الزخم الشعبي من الشارع إلى العمل السياسي والانتخابي، فتعيد الأحزاب صياغة برامجها بناءً على مطالب المحتجين.
٤- التلاشي الطبيعي باستخدام عامل الوقت والطقس، فمع انتهاء فصل الخريف، ودخول فصل الشتاء البارد، والشعور بالإجهاد العام لدى المتظاهرين بعد فترات طويلة من الحشد دون نتائج جذرية سريعة (يبدو أن هذا هو الخيار الأساسي الذي تنتظره السلطات الأوربية بالفعل، من أجل حدوث تراجع لوتيرة التظاهر في الشوارع، ولتتحول هذه الاحتجاجات والمظاهرات إلى حراك افتراضي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واحتجاجات (فيسبوكية)، رقمية ونقابية متقطعة في انتظار شرارات جديدة).
في الختام يمكن القول إنه يصعب وصف ما يحدث حالياً بأنه ربيع أوربي موحد (يسعى لإسقاط الأنظمة الإمبريالية الأوربية المتوحشة، ولكنه بالتأكيد خطوة مهمة في سبيل تحقيق هذا الهدف لاحقاً) ، لكنه قد يكون أشبه بهبات وطنية منفصلة تلتقي في توقيتها ودوافعها الاقتصادية. وبالتالي، لن تنتهي الاحتجاجات بانتصار مطلق لأي من الطرفين، بل ستفضي على الأرجح إلى إعادة صياغة تدريجية لهوية النموذج الاجتماعي الأوربي، وستضطر الحكومات، إما طوعاً عبر التسويات، أو قسراً عبر صناديق الاقتراع إلى مراجعة سياسات التقشف لإنقاذ ما تبقى من الأمان المعيشي لمواطنيها عبر صيغ احتواء محلية مرنة، توازن بين فرض النظام العام وتقديم مسكنات اقتصادية واجتماعية مؤقتة لتجنب الانهيار المالي الشامل في القارة العجوز التي تحاول بشتى السبل أن تحافظ على كلاسيكيتها، وهيبتها التي مرغها المحتجون بأهم وأعرق شوارع العواصم والمدن الأوربية.