أيُّ عدالةٍ هذه عندما يُنتقَم من الإرهاب بالإرهاب؟!
إبراهيم الحامد:
أدانت الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني السورية، وكل من يؤمن بقيم الإنسانية وحرمة الحياة، الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة مار جرجس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، وأودت بحياة تسعة أشخاص أبرياء من الشخصيات المرموقة.
إن استهداف دور العبادة وقتل المدنيين جريمة مدانة بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية والقانونية، تستوجب كشف الجهات التي تقف وراءها ومحاسبة كل من خطط لها أو نفذها أو دعمها، أياً كانت هويته أو انتماءاته السياسية والتنظيمية.
لكن إدانة هذه الجريمة لا يمكن أن تكون مبرراً لارتكاب جريمة أخرى بحق أبرياء لا ذنب لهم. فالقصف الجوي الأردني الذي استهدف مناطق مدنية داخل الأراضي السورية، وأدى، وفق المعلومات المتداولة، إلى سقوط أطفال ومسنين ونساء أبرياء، يطرح سؤالاً لا يجوز تجاهله: أيُّ عدالةٍ هذه عندما يُواجَه الإرهاب باستهداف المدنيين، ويُدفَع الأبرياء ثمن جرائم لم يرتكبوها؟
لقد أحزننا الاعتداء على كنيسة مار جرجس، كما أحزننا سقوط الضحايا السوريين في قرية لطف جنوب البلاد. ونحن ندين الجريمتين معاً، لأن حرمة الدم لا تتجزأ، ولأن حياة الطفل السوري لا تقل قيمة عن حياة المواطن الأردني، ولأن استهداف دور العبادة لا يختلف في جوهره عن استهداف البيوت الآمنة وسكانها.
إن مكافحة الإرهاب لا تمنح أي دولة حق تجاوز الحدود وانتهاك سيادة دولة أخرى، ولا تبيح لها معاقبة السكان جماعياً أو تعريض الأطفال والنساء والمسنين للخطر. فمواجهة التنظيمات المتطرفة مسؤولية تتطلب التعاون الأمني والقضائي بين الدول، وتبادل المعلومات، وملاحقة المتورطين وفق القانون، لا تحويل القرى الآمنة إلى ساحات للقصف وتصفية الحسابات.
ومن هنا، تقع على عاتق سلطة الأمر الواقع السورية القائمة مسؤولية مباشرة عن حماية المواطنين، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وضمان ألا تتحول الأراضي السورية إلى منطلق لتهديد دول الجوار. كما أن عليها توضيح موقفها من الانتهاكات التي تطول المدنيين السوريين، واتخاذ خطوات عملية لحمايتهم، بدلاً من الصمت الذي يثير القلق ويعمّق شعور المواطنين بأن دماءهم مستباحة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، وما تثيره من مخاطر على أمن البلاد واستقرارها، يجعل حماية السيادة السورية ووحدة أراضيها ضرورة وطنية لا تقبل التجزئة أو الانتقائية. فلا يجوز أن تصبح سورية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ولا أن يدفع شعبها المنهك بالحرب والفقر والنزوح ثمن صراعات لا يملك قرارها.
إننا نرفض الإرهاب بكل أشكاله، كما نرفض أن يُتخذ شعار مكافحة الإرهاب غطاءً لانتهاك السيادة أو تبريراً لسفك دماء الأبرياء. فالإرهاب لا يُهزم بإرهاب مضاد، والعدالة لا تتحقق باستبدال ضحية بأخرى، بل بمحاسبة الجناة، أياً كانوا، ومنع تكرار الجرائم، وحماية المدنيين دون تمييز.
إن الدم السوري ليس رخيصاً، كما أن الدم الأردني ليس أقل حرمة. وما تحتاج إليه شعوب المنطقة اليوم ليس مزيداً من القصف والانتقام، بل تعاوناً حقيقياً ضد الإرهاب، واحتراماً متبادلاً للسيادة، ومحاسبة قانونية لكل من يعتدي على المدنيين، وإرادة سياسية توقف دوامة العنف قبل أن تبتلع المزيد من الأبرياء.
فأيُّ عدالةٍ تُبنى على دماء الأطفال والمسنين؟! وأيُّ أمنٍ يتحقق حين يصبح المدنيون أهدافاً تحت ذريعة حماية المدنيين من الإرهاب؟!
لا للقتل باسم الدين، ولا للقتل باسم مكافحة الإرهاب!
نعم لعدالةٍ تحمي الإنسان، وتحاسب المجرم، وتصون كرامة الشعوب وسيادة أوطانها!