أزمة متعددة الوجوه

يونس كامل صالح:

هكذا أطل علينا القرن الحادي والعشرون، ونحن نحاول الخروج من أزمة متعددة الوجوه، أعمقها الوجه الثقافي، الذي استولى عليه الإسلاميون بعد القوميين، فما كانوا فيه أكفأ منهم بكثير. بيد أن الفوارق كثيرة وكبيرة بين الوقت الحالي والأربعينيات حينما بدأ الإسلاميون يدخلون إلى المجال الثقافي. ومن أهمها أن المشهد الثقافي الإسلامي ما عاد موحداً في مشكلاته ولا في أطروحاته، وأن مأزق الصحويين المتمثل في اجتراح قطيعة كاملة مع الثقافة الغربية، أعمق وأكثر سلبية من تأزم الإصلاحيين، الناجم عن الاقتناع العميق بإمكان التواصل مع الغرب من دون حدود. كان التحول الإسلامي عن القطيعة على المستوى الثقافي قد بدأ أواخر السبعينيات من القرن التاسع عشر على يد عدد من المفكرين الإسلاميين، الذين حاولوا مخلصين العودة للتواصل دون التخلي عن إشكالية الهوية، وهي المميز للفكرة الإسلامي منذ لحظة ولادته.

ولأن المعرفة بحد ذاتها، حتى في العلوم الاجتماعية، لا هوية لها بالمعنى الذي قصدوه، فقد كانوا يحاولون اجتراح المستحيل. ذلك أن الإحساس بهول القطيعة الثقافية مع العصر على الفكر الإسلامي، كان ينبغي أن يدفعهم إلى قراءة الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر قراءة نقدية لتبيان مشكلاته، ووجوه خطله وخطره، بدلاً من نقد الثقافة الغربية دونما كفاءة أو استعداد لذلك. والمعروف أن التوصل إلى النقد يتطلب تراكماً لم تملكه الثقافة الإسلامية المعاصرة، ويتطلب أفقاً ثقافياً منفتحاً مستعدّاً لتقبّل غير المألوف أو مناقشته دونما خوف أو وجل، وهو ما لم تكن تملكه أيضاً، ولا تزال.

لا يبدو الوضع الثقافي العربي الإسلامي مطمئناً إذاً. وتفاقم من أزمته المتغيرات على المستويين السياسي والاقتصادي- بمعنى أن البيئات المحيطة لا تساعد على تراكم سريع أو القيام بنقدية جذرية من الداخل. بيد أن المطمئن والواعد أمران: عودة مسائل النظر والتفكير، والنقاش، إلى الواجهة وأن هناك قناعة عميقة لدى العديد من الإسلاميين بضرورات التغيير والتجدد والتواصل مع العالم من أجل الاستمرار ومن أجل المستقبل.

العدد 1221 - 28/10/2026