في الطريق إلى ناظم حكمت

عبد الرزاق دحنون:

كانت السماء زرقاء صافية كأنها بحيرة، والشمس ما زالت دافئة ونحن في أوائل الخريف. كانت ابتسامتي واضحة، وقد غمرتني السعادة وأنا أمرّ في الطريق بشجيرات خضراء كثيفة مليئة بأزهار حمراء صغيرة، رائحتها غنية وعميقة وعبقة كالبخور. وبصفتي من عشاق ناظم حكمت منذ زمن طويل، فقلت هيّا إلى ناظم حكمت، لأنني كنتُ يافعاً حين قرأتُ أول مرة سيرة حياة هذا الشاعر الكبير. أين قرأتُ ذلك؟ أنا لا أتذكر الآن. ربما في مجلة كانت تصدر في بيروت وتصل إلى مدينة إدلب في الشمال السوري. هل هي مجلة الطريق التي كان يُصدرها الحزب الشيوعي اللبناني؟ أيضاً، ربما. لا أستطيع تأكيد الأمر الآن في غربتي هذه التي امتدت لأكثر من عشر سنوات في مدينة إزمير على شاطئ بحر إيجة.

كنتُ سعيداً وأنا أتمشى في هذا الطريق الواصل إلى احتفالية الشاعر الكبير ناظم حكمت، التي أُقيمت في حديقة (الفوار) الواسعة التي تحتضن مهرجان التسوق السنوي وسط مدينة إزمير. واختير مركز الاحتفالية في صالة أنيقة مُدهشة في تنظيمها وأناقتها، وبديعة في تنسيقها، صوت ناظم حكمت الهادئ، وصوره الكثيرة، فقد كان عصره عصر الصورة، ومقتنيات أخرى غنية في دلالاتها من أوراق وكتب وأغراض الشاعر التي حفظتها أسرته، كل ذلك جعل المكان ساحراً، وكأنك في حضرة شاعر، وهو كذلك، فأنت في حضرة ناظم حكمت.  كانت الاحتفالية  قريبة من الأماكن التي كان يعيش فيها ناظم حكمت في شبابه. وهي أزقة قديمة مبلطة بالحجر الأسود خلف كورنيش ساحة كوردون على شاطئ بحر إيجة في مدينة إزمير،  وقد جاء ذكرها في كتابه الجميل (العيش شيء رائع يا عزيزي).

تبدو قصائد ناظم حكمت المعلقة على الجدران واضحة المعنى، قريبة وغريبة في آن معناً، لكنها في الوقت نفسه عادية بشكل مثير للدهشة. تخطو بحذر في مياه حيوات غامضة، في مشاهد إنسانية لا تخلو من قسوة، إنه لأمر مرعب حقاً، قسوة الإنسان على أخيه الإنسان، حيث يبدو أن تجويع البعض أمر ضروري لأولئك الذين يزدادون ثراء. ومع ذلك، فإن صوت ناظم حكمت هادئ للغاية، وانطباعي لدرجة أنه يبدو وكأنه مقاومة متعمدة للأسلوب. يبدو الأمر كما لو أنه يريد أن يختفي في تلك القصائد المدهشة، وأن يندمج مع الناس العاديين، الذين مع ذلك، مثلنا، لديهم تلك الشرارات المفاجئة من الفرح.

أقرأ ناظم حكمت مراراً، ليس لأنه ثوري أو لأنه يقدم رؤية تُنقذ فيها الحياة، بل لأنه يرافق شخصياته (ونحن معه) إلى موضع ضيق الحياة، حيث نُحاصر من كل جانب. إن الغوص في مشاهده الإنسانية هو أن نشعر بضيق يُحيّرنا ويُقلقنا -سواء كان ذلك بسبب الفقر أو اليأس أو الكسل أو خداع الذات- وفي الوقت نفسه، نتذوق اتساع الشوق الإنساني. ثم، ببطء، نعي وجود بعض اللطف الذي يقف معنا، بجانبنا، في ذلك المكان الضيق، في كل ما نعانيه من ضيق. اقرأ أيّ قصيدة طويلة أم قصيرة من تلك المعلقات على الجدران، وستشعر في آن واحد بفقر الحياة، وغرور الإنسان، وقوة التعاطف الخيالي المتنامية. أجد أعماله المتنوعة مُلهمة تحديداً لأن كل شخصية إنسانية -بطبيعة بشرية- تقاوم مصيرها الخانق.

تجد في مؤلفات ناظم حكمت التي تجاور فيها الشعر والمسرح والرواية والرسم والأفلام التي كتب لها سيناريوهات أو أخرجها والمذكرات والرسائل، تعاطف كبير مع شخصيات متنوعة: أطباء، مرضى، ممثلين، سائقين، كتّاب، فنانين، أطفال، نساء، رجال، سكارى، متدينين، سكان بورصة، سكان استنبول، سكان إزمير، منفيين، قرويين، قضاة، محققين جنائيين، محتالين، عشاق، قابلات، أصحاب أعمال، وحتى حيوانات. ويخطر في بالي أن خياله الفسيح هو ما لفت أنظار العالم إليه وأبقاه في دائرة الضوء. ويُشكّل خياله، وازدهاره المذهل خلال سنوات حياته، محور سيرته؛ إذ تُبنى وقائع حياته على صورة ذلك الخيال. ونعلم من آلاف الصفحات التي كتبها ناظم حكمت أن التحدي الأكبر في حياته كان تحرير نفسه ليشعر بكامل إنسانيته. وهو ما يعني في حالته مزيجاً من الذكاء والفطنة وحسٍّ عميق بالتعاطف مع الضعفاء والمستضعفين.

في ختام رحلة الطريق الطويل إلى ناظم حكمت كتبت هذه الكلمات في سجل الزيارات: الشاعر الكبير ناظم حكمت هذه تحية عربية إلى مقامكم الكريم عربون محبة وصداقة، من رفيقكم عبد الرزاق دحنون، المقيم مع أسرته من عشر سنوات في مدينة إزمير على شاطئ بحر إيجة. أيها الشاعر أنتم في الوجدان دائماً، محبتي.

العدد 1221 - 28/10/2026