من يحاول أن يقف في وجهها سينكسر.. العاصفة قادمة
د. نهلة الخطيب:
الوضع في الشرق الأوسط خارج السيطرة، حرب مدمرة غير مسبوقة قد تغير وجه المنطقة وربما تغير العالم، وترامب يؤجج نارها ويبيع السلاح بالمليارات لدول عربية ويطفئ النار بالوقود لتبقى الحرب مشتعلة وتتوسع بكل المنطقة لنكون (قتلى الجغرافيا والتاريخ)!! أيام صعبة فيها ترقّب شديد، ترامب يتخبط فلم يبق لأمريكا شيء تفعله ضد إيران إلا النووي، وهذا أيضاً غير مضمون لاحتمال رد إيراني مماثل، وإن كانت إيران لا ترغب بالحرب، ولكنها مستعدة لها أكثر من ترامب. نتنياهو يلعب بالورقة الأخيرة: توجيه ضربة عسكرية لإيران وإعلان الحرب لزيادة فرصه للنجاح في الانتخابات أو تأجيلها، فشل ترامب في حسم المعركة بإيران مسّ هيبة الإمبراطور، فوعدها بضربة عسكرية بعد الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر، ولكن كل المؤشرات تؤكد أنها قبل الانتخابات، فالحرب لا تعلن بل تفاجئ الخصم، فضلاً عن أن الاعلام الأمريكي والإسرائيلي يتحدثان عن استعدادات لرفع مستوى التأهب وحالة الطوارئ في صفوف الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية الثالثة لإسرائيل. إذاً نحن أننا أمام هجمات عسكرية غير معتادة، فترامب لا يريد أن يخرج من هذه الحرب خاسراً، وهو مستعد أن يضحي بالجميع باستثناء إسرائيل ونتنياهو (بمصلحته وبأمريكا وبالشرق الأوسط ومقدراته) فأمن إسرائيل أولوية ترامب، وهو مدين لها بالوصول إلى البيت الأبيض وكل من يحارب إسرائيل هو عدو لأمريكا.
الحكاية بدأت في السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) الذي قلب العالم رأساً على عقب، وما زلنا نعيش ارتداداتها بعد مرور ثلاث سنوات، فقد كان لها انعكاسات زلزالية على إسرائيل وأمريكا وعلى منطقة الشرق الأوسط بأسرها، تحولات جيوسياسية كبرى، تفكيك معادلة الردع الاقليمي وتغيير قواعد الاشتباك، وإعادة القضية الفلسطينية بعد السبات كشرط لإعادة الاستقرار بالمنطقة، بدأت بتوسع العمليات عبر جبهات الإسناد في لبنان والملاحة البحرية في باب المندب وصولاً إلى إرباك حسابات القوى العظمى وفرض ضغوط أمنية واقتصادية غير مسبوقة على دول الجوار العربي أوسع من رقعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصاً بعد فتح الجبهات في لبنان وسورية وإيران واليوم في اليمن والسعودية.
استهداف مطار الرياض اليوم وترامب يهدد اليمن والرد ربما يكون في إيران محمّلاً إياها تبعات ما يحدث، وضرب إيران هو ما يجول الآن وأكثر من أي وقت أخر، يريدها نتنياهو حرب البسوس ويريد توريط السعودية ودول الخليج بحرب مباشرة ليست ضد الحوثيين فحسب بل ضد إيران أيضاً، وستكون كارثية على السعودية بإغلاق باب المندب وعلى حلف مكة وتفجير المنطقة وما يترتب عنه من تداعيات كارثية على الوجود الأمريكي في المنطقة وقواعدهم العسكرية ومنشآتهم الاستراتيجية مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة في العالم، إسرائيل نجحت في جعل العرب يقتتلون بحروب طائفية وقودها الدول العربية كما اليمن والسعودية، المعارك تشتد ضراوة تستنزف ثرواتها وتدفع ثمنها من أمنها واقتصادها واستقرارها!! بينما أطراف أخرى تضمن أمنها ومصالحها، وكيف تتقاطع مصالح إسرائيل مع الصراعات الطائفية في المنطقة؟! ولطالما حلم بن غوريون بالاستيلاء على البحر الأحمر للسيطرة على حركة التجارة والملاحة البحرية وإقامة مشروع قناة بن غوريون لتكون ممراً بديلاً عن قناة السويس لحصار مصر والضغط عليها لقبول فكرة الوطن البديل للفلسطينيين في سيناء، وبظل التمادي التي تقوم بها إسرائيل (بدعم أمريكي غير محدود وغياب عربي غير محدود) عمليات عسكرية إسرائيلية يومية في غزة متزامنة مع تصعيد عالي في الضفة الغربية والدفع للتهجير بالقوة، فالفلسطينيون مهددون بنكبة أخرى (فهناك مساحات كثيرة بالوطن العربي لإيواء الفلسطينيين بالعراق وسورية ومصر وإن ضاقت، فالسعودية أهلٌ لها)، هذه رؤية نتنياهو لتتويج إسرائيل الكبرى وحتماً لا دولة فلسطينية.
لا أحد قادر على التكهن إلى أين نحن ذاهبون، فكل الاحتمالات واردة في الأيام القادمة، (فالعاصفة قادمة من يحاول أن يقف في وجهها سينكسر، هكذا يقول التاريخ)، كيف يمكن أن نراهن على انتخابات الكنيست كما لو أن إسرائيل ستتغير، وعلى انتخابات الكونغرس كما لو أن أمريكا ستتغير ما دمنا نعيش ذروة صراع المصالح، أمريكا لن تتغير وإسرائيل لن تتغير وخلق الحروب وإن تخلّلها هدن هي لمصلحتهم، وهؤلاء هم ينفذون ما يريدون بمختلف الوسائل لا استقرار في المنطقة إلا عبر إسرائيل (إسرائيل الكبرى) من يستطيع الاعتراض ما دمنا أحجار شطرنج؟ وكذلك التاريخ يقول إن أقوى الإمبراطوريات غربت بيد الأغبياء، بقيادة ترامب أمريكا ومعسكرها تعيش آخر أيام هيمنتها كإمبراطورية وحيدة بالعالم، تسقط هيبة الإمبراطور عشية الانتخابات على طوابير الوقود مستنجداً بالديزل الروسي ملتفاً على العزلة والعقوبات الاقتصادية التي فرضها نفسه على الطاقة الروسية ومطالباً بإسقاط زيلنسكي، رجل السلام ترامب الذي تمنى جائزة نوبل للسلام لإيقافه ثماني حروب يستشيط غضباً لفوز نافي بيلاي بالجائزة لعام 2026، وهي قاضية في محكمة العدل الدولية التي أصدرت قراراً بإدانة إسرائيل ونتنياهو علانية بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، إسرائيل في أخطر المراحل التي تمر بها تحت ضغوط أزماتها وعجزها وخسارتها الاستراتيجية بسبب نتنياهو وأمريكا يقودها مهووس يتحكم بمزاجيته وجنونه لما فيه خراب أمريكا. هذه حال القوة العظمى وربيبتها اليوم والحروب أصبحت مخرجاً لكل مأزق ونحن من يدفع الثمن!!