لماذا يجري تشديد الحصار على السويداء؟
السويداء – معين حمد العماطوري:
مع كل فجرٍ جديد، تستقبل محافظة السويداء تطوراً جديداً في مسلسل احتقانها المتصاعد؛ فقد أوقعت الاشتباكات مع قوى الأمن العام أكثر من عشر إصابات في صفوفها، مقابل إصابتين من الحرس الوطني، بينما عاش أهالي السويداء ساعات من الخوف والرعب.

وقد نتج عن الاشتباكات أيضاً، خروج خطّي الكهرباء 66 ك.ف. الرئيسي والاحتياطي عن الخدمة، منذ يوم الثلاثاء 1/9/2026، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أكثر من نصف مدينة السويداء ومعها كامل مدينة شهبا وقراها، وترتّب على ذلك خروج مجموعة من الآبار عن الخدمة، وتوقف كل ما يتعلق بالحياة اليومية من خدمات مرتبطة بالكهرباء. وهكذا، باتت معظم قرى السويداء لا ترى النور إلا في وضح النهار.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أقدمت الحكومة السورية المؤقتة على تشديد إجراءات التفتيش لسيارات نقل البضائع على طريق دمشق – السويداء، وباستثناء المواد الغذائية، منعت دخول مواد محددة قادمة من العاصمة، أبرزها المازوت والبنزين. فهل تجري العودة تدريجياً إلى تشديد الحصار على السويداء؟ ولماذا؟
وسرعان ما تفاقم سوء الوضع بقرارات الحكومة نفسها، إذ أعلنت رفع أسعار المحروقات على النحو التالي:
* سعر ليتر بنزين 95: 152 ليرة سورية.
* سعر ليتر بنزين 90: 147 ليرة سورية.
* سعر ليتر المازوت: 125 ليرة سورية.
* سعر أسطوانة الغاز المنزلي: 1470 ليرة سورية.
* سعر أسطوانة الغاز الصناعي: 2350 ليرة سورية.
ولعل منع إمداد محافظة السويداء بالمشتقات النفطية، أو تخفيض الكميات الواردة يومياً، هو ما منح السوق السوداء فيها فرصة ذهبية، فارتفع سعر المازوت في السويداء قفزة هوائية غير مسبوقة، حتى قارب سعر الليتر الواحد من المازوت 200 ليرة سورية، مما تسبب بشلل القطاعات الخدمية والحيوية، لا سيما آبار مياه الشرب ووسائل النقل، ويأتي ذلك أيضاً قبيل حلول فصل الشتاء، الذي تتفاقم فيه الحاجة إلى المازوت للتدفئة، وفي وقت لم تتجاوز الكميات الواردة إلى المحافظة ٢٠ بالمئة في هذه الفترة من احتياجاتها الفعلية.
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أين يتجه هذا المسار؟
والأخطر من ذلك، أن رفع أسعار المحروقات، ستنتج عنه حتماً زيادات في أسعار العديد من المواد الغذائية والخدمية والصناعية المرتبطة بها.
وربما يطرح المواطنون اليوم سؤالاً آخر: إذا كانت المفاوضات السورية – الإسرائيلية قد فشلت، وفق ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية والدولية، فهل يكون هذا العقاب موجهاً ضد أهالي السويداء؟ وهل تمنح الفوضى السورية العامة والوعود الخلبية الحق في حرمان الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم؟ وهل من العدل أن يدفع أهالي السويداء فاتورة تنامي الفوضى والتجاذبات السياسية بين إدارة المحافظة والحكومة؟
شروط تعجيزية
يبدو أن شروطاً تعجيزية فرضتها الحكومة الانتقالية لدخول المواد الغذائية ومشتقات البترول من المازوت والبنزين والغاز، على الحواجز التي نشرتها على طريق دمشق-السويداء، مما جعل أساليب الحصار تتفاقم يوماً بعد يوم. ولسوء الحظ، تطالعنا الحكومة الانتقالية عبر مكاتبها الإعلامية بتصريحات تنفي الحصار وتؤكد تأمين كل مستلزمات الحياة من مواد غذائية ومشتقات نفطية، والواقع كما يقال في المثل الشعبي: (الميّ بتكذب الغطاس).
أسبوع بلا كهرباء!
التيار الكهربائي ما زال مقطوعاً منذ ستة أيام عن معظم أنحاء السويداء، والهلال الأحمر يسعى للحصول على الموافقات لترفيق العاملين والفنيين من شركة الكهرباء لإصلاح ما تم تخريبه بعد اختراق الهدنة الفعلية والرسمية، وقد باءت محاولات الهلال الأحمر بالفشل وحتى مساء الإثنين قوبلت من قبل الحكومة بالرفض.
فما الغاية من تصريحات محافظ السويداء التي تنفي الواقع الفعلي، وتُظهر وجود تسهيلات؟ علماً بأن الأوضاع الخانقة في السويداء تتزايد بفعل الواقع:
* أولاً- ما زال التيار الكهربائي معطلاً، ولم تمنح الجهات المعنية المختصة الموافقة المطلوبة على بدء الإصلاح، والسويداء بلا كهرباء منذ أسبوع.
ثانياً- انقطاع الكهرباء يعني توقف الآبار ونقصاً حاداً في مياه الشرب، وتأمين أبسط مستلزمات الحياة اليومية.
ثالثاً- انقطاع التيار الكهربائي أدّى إلى فساد وتلف كثير من المواد الغذائية بفعل العوامل الجوية والطبيعية (لحوم، فراريج، ألبان أجبان، …).
.. والمحروقات أيضاً!
أما الحصار المفروض على قطاع المحروقات فله انعكاسات سلبية كبيرة، أهمها:
١- ارتفاع أسعار المحروقات في السوق السوداء إلى درجة خيالية لا يقوى عليها كثيرون، وإذا ما وقعت حالة إسعافية نهاراً أم ليلاً، يقف صاحب الواقعة عاجزاً عن إنقاذ الأرواح الإنسانية. فهل تقبل بهذا الوضع المنظمات الدولية الإنسانية؟
٢- تعطل قطاع الخدمات، وخاصة عدم القدرة على جمع النفايات التي انتشرت في الأزقة والأحياء وترحيلها، وقد تسبب هذا الوضع بانتشار أمراض خطيرة ومعدية لكل فئات المجتمع وأعمارهم من الطفولة إلى الكهولة، وهذا من دوافع المناشدة للمنظمات الدولية.
٣- تفاقم أزمة المشافي والأفران، وفقدان القدرة على تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية. أليس من مهام منظمة الصحة العالمية تأمين أبسط الاحتياجات الصحية؟
٤- ارتفاع تكاليف النقل بشكل تصاعدي، وتعطل إصلاح الآليات والمعدات الطبية والصناعية والزراعية والخدمية.
٥- تعطل النشاط الاقتصادي، فقد توقف العمل في العديد من المناطق الصناعية في شهبا والسويداء ورساس، وكذلك المشاريع الزراعية، إلى جانب توقف المياه وآليات مجالس البلديات والكهرباء والمحروقات.
يشير موقع (الراصد) إلى أن عناصر حاجز المتونة (وهو حاجز يتبع للأمن العام على طريق دمشق- السويداء) يفرضون شروطاً مشددة على شاحنات الخضار المسموح بإدخالها، ويجبرون أصحاب البضائع على تفريغ حمولة الشاحنة كاملة وإعادة تحميلها، مع إلزامهم بدفع مبلغ 500 ألف ليرة سورية أجوراً للعمال.
وكذلك أكد مصدر في الهلال الأحمر أن الموافقات الأمنية اللازمة لإصلاح الكهرباء في المحور الغربي للسويداء لم تصدر بعد.
دور المنظمات الدولية

على الرغم من أن اتفاقية جنيف الرابعة قد نصت في المادة 33 منها، وضمن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، على اعتبار الحصار المتعمد على السكان ومنعهم من الاستفادة من الخدمات الحيوية عقاباً جماعياً، يندرج ذلك في إطار السياسات المحظورة دولياً.
أهالي السويداء يطالبون المنظمات الدولية بالتدخل السريع لإيصال الإمدادات الأساسية للمدنيين، محذرين من استمرار الصمت الدولي في ظل مشهد قد يتحول إلى إبادة جماعية.
السؤال اليوم: كيف يمكن حل النزاعات والمشكلات في ظل حصار خانق، وتصريحات مشبوهة قائمة على نفي الواقع؟
وهل العمل باستخدام نفي النفي هو تبرير لحصار السويداء وانعكاساته الإنسانية والفوضى المستدامة؟