هل ســـــندفع الثمن بحيــــاتنــا أو نبقى دمى في لعبـــــــة الموت؟!
د. نهلة الخطيب:
الحروب مستمرة في أوكرانيا والشرق الأوسط ضمن استراتيجية أمريكية ثابتة منذ عقود هدفها الهيمنة المطلقة وإضعاف أي قوة صاعدة بمواجهتها (روسيا والصين وإيران)، معتمدة على الأطراف الوسيطة ودول لامحورية ضعيفة يمكن التضحية بها، فكانت أوكرانيا أولاً لاستنزاف روسيا كقوة ندية، ووظف نتنياهو مجرم الحرب لتغيير الشرق الأوسط وسقوطه لن يوقف الدماء والقتل، فالكيان الصهيوني مرتهن للمشروع الأمريكي لنهب ثروات العالم وإثراء لوبي وول ستريت، (لا يوجد بيت مدمّر أو حجر مبعثر أو يد مبتورة أوأمّ ثكلى أو امرأة مشوّهة إلا وستجد لأمريكا أثراً فيه).
الحروب الثلاث في أوكرانيا والشرق الأوسط والحرب الباردة مع الصين وصلت إلى نقطة حاسمة تحولت فيها جميعها إلى خسائر استراتيجية لأمريكا استنزفتها دون تحقيق أهدافها المقررة في إضعاف روسيا وفرض السيطرة على الشرق الأوسط، بينما نجحت الصين في تحقيق التفوق عبر البقاء بعيدة عن الصراعات المباشرة. ترامب رغم حديثه عن السلام كان سراً يمنح أوكرانيا الضوء الأخضر لتكثيف الضربات على روسيا، وإن لم تكن حربه، وخلق حرباً باردة مع الصين كان يمكن أن يتجنبها، وبعد ذلك قفز في المستنقع الإيراني، مما يثبت أن السياسة الأمريكية لم تتغير والحروب تمول بالديون وتدار بسرية، بينما تختبر بها أنظمة الذكاء الاصطناعي لصالح شركات التكنولوجيا الحربية، ولكن هذه الاستراتيجية حققت عكس هدفها، فالمأزق الاستراتيجي في الشرق الأوسط والتحدي الإيراني خير شاهد مع غياب حلول لتحويل الهزيمة إلى نصر، واستمرار الاستنزاف أدى إلى انهاك الاقتصاد الأمريكي، وارتفاعات قياسية لأسعار النفط وتهديد الدولار اذ بلغ الدين الأمريكي 40 تريليون دولار، 32 تريليوناً منها هي استثمارات لمودعين، وما تبقّى ديون داخلية، احتيال مالي يعتمد على إغراء المستثمرين بأرباح خيالية وسريعة ومحمي بالقوة العسكرية. ومع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل تزعزعت الثقة بالهيمنة البترودولار، ودفعت إلى حلف قوي بين الصين وروسيا، بينما تركت أوربا في موقع التابع الضعيف لأمريكا، وهل كان لأمريكا أن توجد وأن تتطلع لتكون أعظم امبراطورية على امتداد الأزمنة لولا القارة العجوز؟!
من يحكم أمريكا الآن قيادة تتمتع بخبرة عقارية عالية وخبرة واسعة بحفلات إيبستن ورئيسهم يعيش في عالم مختلف عن الشعب الأمريكي أعلن أكثر من مرة نصراً تاريخياً وتحقيق كل الأهداف، وأن القدرة النووية والباليستية مُحيت، ووعد باستسلام الشعب الإيراني وبعد ستة أشهر أعلن أن إيران على بعد أسبوعين من القنبلة النووية، فأين الاستسلام وأين النصر؟؟ أوباما بتصريح يكشف حرب ترامب (خاض حرباً ليوقف سلاحاً نووياً لم يكن موجوداً وليفتح مضيقاً لم يكن مغلقاً، يا له من فشل!). المشهد واضح جداً والجميع عارض الحرب، فالقوة العسكرية وحدها لا تسقط أنظمة والنتيجة كارثية والهزيمة ليست عسكرية فقط بل جيوسياسية، فدول الخليج لم تعد تثق بالمظلة الأمريكية وستسعى لتسوية مع إيران، والصين مستعدة للهجوم على تايوان، وروسيا وسعت قائمة أهدافها نحو دول البلطيق. ترامب سقط في الفخ الذي نصبه له نتنياهو، والآن يحاول الخروج وهو لا يستطيع الاعتراف بالهزيمة ويتجنبها، يتظاهر بالنصر ويهدد بقصف إيران مجدداً، لكنه يعرف أنه لا خيار عسكرياً ولو كان مجدياً لاستخدمه منذ زمن، ترامب بلغ حده فلا توجد حرب معلنة، مجرد عرض للقوة يخوض معركة السوشل ميديا بإطلاق تغريدات تجعله منتصراً أمام نفسه، لحفظ الملاحة والحد من الأضرار.
بعد حروب كان يمكن تجنبها انقلب كل شيء على ترامب وعلى نتنياهو كارثة تتفاقم، أرادوا رسم المنطقة فباتت إيران هي القوة الإقليمية المهيمنة، وسيطرتها على مضيق هرمز جعلت العالم تحت وطأة أزمة طاقة لا مثيل لها، الصين وروسيا يدعمان إيران علانية، فأمريكا سقطت في مستنقع جمد القوات الأمريكية في الخليج وأوقف التدخل الأمريكي في آسيا وشتت انتباهها عن أوكرانيا، حربان ساخنتان وحرب باردة قد تلتحمان في حرب واحدة أكبر وأكثر خطورة.
مع تغير قواعد اللعبة، أوكرانيا على وشك السقوط في المعركة، روسيا تتقدم ببطء وثبات وأوكرانيا تعاني من نقص كارثي في الجنود، وترامب عاد لدعم حرب المسيرات ضد روسيا مما ينذر بتصعيد كبير، في ظروف شديدة التعقيد تمر بها الحرب الروسية الأوكرانية باستهداف البنى التحتية في كييف، مقابل استهداف العمق الروسي، مع تزايد مخاوف أوربية من اتساع رقعة الهجمات الروسية بعد تهديد بوتين (أوكرانيا فتحت صندوق باندورا فلتكن مستعدة!). روسيا تدير هذه الحرب كما تريد مع إدراكها أن الغرب في موقف ضعيف، مرحلة حساسة وخطيرة على العالم مع اقتراب الصدام العسكري بين الناتو وروسيا مع الدعم اللامتناهي لأوكرانيا واستفزاز روسيا وجرها إلى الحرب مع التصعيد السياسي تمثلت بالخطوات البريطانية حول نقل التكنولوجيا العسكرية ومسيرات صواريخ متطورة هجومية ضد المنشآت المدنية، إضافة إلى القرصنة الفرنسية ضد السفن الروسية، وتعتبرها روسيا انخراطاً مباشراً في الحرب ضدها له عواقب وخيمة فأي معدات فرنسية أو بريطانية تعتبرها موسكو أهدافاً مشروعة لها.
الصراع عميق والحرب عملياً بدأت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكيك حلف وارسو، والحرب الدائرة في أوكرانيا ما هي إلا إعادة المواجهة بين روسيا والغرب إلى الواجهة مجدداً، لا دور لأوربا سوى دور التابع تدفع ثمن تبعيتها المطلقة لأمريكا من وحدتها واستقرارها ستكون الخاسر الأكبر من هذه الحرب، الرئيس الروسي لا تزال لديه طموحات إقليمية كبيرة لم تتحقق في أوكرانيا، ويبدو أنه أكثر ثقة على النصر وهزيمة أعدائه في الداخل والخارج يضع ترامب والناتو أمام الأمر الواقع ويدعو زيلينسكي للاستسلام، فالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا بدأت بقرار من الرئيس بوتين وستنتهي بشروطه، استعادة أوكرانيا ومراجعة الحدود الاقليمية لبحر البلطيق وتعديل الحدود حول الجزر الروسية في شرق خليج فنلندا وحول كالينينغراد، وتوسيع مياهها الاقليمية المتاخمة لفنلندا وليتوانيا، تغيير الحدود الاستراتيجية البحرية ربما تغير كل الترتيبات الأمنية بأوربا المعتمدة ضمنياً منذ الحرب الباردة سيؤدي إلى التحول إلى نظام دولي جديد يعكس توازن قوى عالمية ستتحدد معالمه مع حسم الحرب.
دخلنا مرحلة حرجة من المواجهة الجيوسياسية والاقتصادية ولن يستقيم العالم بوجود ثلة مجانين تسرق ثروات الشعوب، المفكر الأمريكي جيفري ساكس يرى أن (مشروع الهيمنة الغربية انهار، روسيا صمدت وإيران تحدت والصين بنت حضارتها، أمريكا لا تريد السلام بل تريد إشعال العالم بقبضتها ثم تمول دمارها بالديون، الشعوب تكره أمريكا وعسكرتها الفاسدة تحتكر القرار، هذا الجنون قد يتحول إلى حرب نووية تمحو كل شيء. الغرب ينهار بينما الشرق يبني مستقبله، نظام الإمبريالية الأمريكية على وشك السقوط حتما لكن السؤال المرعب: هل سندفع الثمن بحياتنا أو نبقى دمى في لعبة الموت؟!).