عدونا على أعتابنا فمن ينقذنا؟ أهي المعجزة؟!
د. نهلة الخطيب:
لو كان للتاريخ أن يسألنا ماذا تنتظرون؟ لقلنا: معجزة! هذا صحيح، ولكن أتراها ممكنة؟!
ما يحدث في الشرق الأوسط زلزال بلغ ذروته في (مشروع نتنياهو): لن يكون هناك سلام مع أحد بل استسلام، السلام مقابل الأرض فقد مضمونه مع الاستيطان، وبرغم رفض ترامب الاستيطان في الضفة الغربية، لكنه قانوني توراتياً، فهي جزء من الكيان التوراتي (يهودا والسامرا)، أين هي الدولة الفلسطينية؟ وأين ستقام؟! كيف والمنطقة كلها داخل المشروع الصهيوني؟! وكرد فعل للسياسات الهستيرية للائتلاف اليميني المتطرف ستنشب حروب وجودية بلا هوادة تحرق كل شيء، والشرق الأوسط يحترق.
خرجت أمريكا من التخطيط في الغرف المظلمة إلى التخطيط في العلن لإعادة ترسيم خرائط الشرق الأوسط والعالم بلا استثناء، بعد أن خلقت مارداً مهيمناً من الناحية العسكرية في المنطقة، وحان الوقت لإعادة التموضع العسكري وتثبيته وتوزيع الأدوار لحماية المضائق وأماكن العبور وبدء عملية الجباية والاستثمار. الحرب على إيران شنّها ترامب من أجل إسرائيل وليس من أجل أمريكا، فمشروع إسرائيل واضح وبدأ يتعارض مع المشروع الأمريكي، الحروب غيرت وجه المنطقة وحملت تغييراً حقيقياً في موازين القوى، وأحدثت تغييراً فعلياً على المستوى الجيوسياسي، وسط التوتر المشتعل حول شريان الطاقة العالمي مضيق هرمز. ترامب يطلق خريطة جديدة نشرها لمتابعيه (مضيق هرمز أصبح إقليماً أمريكياً مع زوال دولتين خليجيتين قطر والبحرين). فلا عجب، ألسنا في القرن الأمريكي ونظام الكومندوس العالمي الجديد بدل الجيوش النظامية؟! لا مفاوضات ولا استنزاف والحسم السريع والاستسلام، وإيران تحولت من مشروع دولة معادية بالظل إلى دولة معادية بشكل صريح، وخلقت تحدياً آخر إضافة إلى التحدي الإسرائيلي بمواجهة المنطقة العربية بعد الانسحاب الأمريكي الوشيك والمحتوم.
فشلت حرب ترامب على إيران في تحقيق أهدافها بالقوة العسكرية: إسقاط النظام وتدمير الملف النووي والصواريخ الباليستية. لا قوة تتفوق على إسرائيل (ومن أجل إسرائيل فقط)، الآن الحرب بالخنق الاقتصادي توعد به ترامب إيران (سيكون أعظم عزل اقتصادي بالتاريخ)، ولكن ما مصير مئة مليون إنسان في إيران؟! وهل يهم ما دامت الحكومة خارجة عن الطاعة الأمريكية؟! خنق اقتصادي ولكن تبعاته لن تنحصر بإيران فحسب بما تمثله على مستوى الأمن الاستراتيجي لروسيا والصين. مرحلة خطيرة تغيب فيها قوة المنطق ويحل مكانها منطق القوة والبلطجة والإرهاب الدولي، ستكون نقطة تحول خطيرة ومؤلمة لأمريكا بأفول القطب الأوحد، وهي تعاني من الخنق الاقتصادي والتضخم وزيادة الدين العام والانتخابات واضطراباتها.
نتنياهو وهو يتوعدنا بتغيير الشرق الأوسط يخوض الانتخابات الإسرائيلية وهي فترة ضبابية وغير محسومة يقدم للناخب المتطرف برنامجه الانتخابي بمزيد من الحروب والعنف والدموية لتشكيل نفوذ سياسي وعسكري جديد وإنشاء شريط أمني يمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً بإقامة مناطق عازلة منزوعة السلاح في غزة والضفة ولبنان وسورية، وفي تصعيد غير مسبوق يستهدف الوجود التركي مباشرة بسورية: غارة إسرائيلية على مطار أبو الظهور بإدلب نفذت بموافقة الإدارة الأمريكية، لأنها تسمح لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها، (فبناء جيش وطني وقبول سورية نشر قوات تركية يهدد الأمن الإسرائيلي). نتنياهو يلغي الدولة السورية ويتعدى على السيادة السورية ويتعدى على النفوذ التركي، إسرائيل لن تقبل وجود قوة إقليمية تكافئها عسكرياً كتركيا بعد أن حجمت النفوذ الإيراني بالمنطقة. قالها نتنياهو بوضوح: المحور السني بعد المحور الشيعي يعني تدمير العالم الإسلامي بأكمله ووضع حد لطموحات الإمبراطورية التركية والعثمانية الجديدة، بمعادلة ملء الفراغ. الآن سورية في القبضة الإسرائيلية لا القبضة التركية رغم التطمينات أن سورية راغبة في السلام والتطبيع قادم، ولكن إسرائيل ترد بانتهاك السيادة والاحتلال وتمنع بناء جيش سوري ومنظومات دفاع جوي على الأرض، فهي تريدها أرضاً منزوعة السلاح.
الأمور معقدة جداً: سورية وتركيا أمام خطر التمدد الإسرائيلي ومحاولات لتحجيم تركيا، لا سيما بعد تحالف مكة، فثمة اتفاق عسكري واقتصادي بين اليونان وقبرص وإسرائيل من أجل تطويق تمرير الغاز الاذربيجاني عبر شرق سورية (هنا تبرز أهمية الجغرافيا السورية والتنافس عليها بين القوى العظمى عبر التاريخ)، والضغط عليها لتكون أمام خيارين: إما الرضوخ وضمان مسار الغاز من شرق المتوسط إلى أوربا خارج النفوذ التركي والقبول بتقليص نفوذها بسورية وغزة وليبيا، وإما بمواجهة ضربة عسكرية!! ولكن ما يجمع تركيا وإسرائيل مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية يبقى صمام أمان يمنع انزلاق الأمور إلى المواجهة العسكرية، فضلاً عن أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وإسرائيل ذراعه المتقدمة في الشرق الأوسط وجميعهم متفقون على أن سورية ولبنان منزوعة السلاح، فالدور التركي جزء أساسي في مشروع الشرق الأوسط الكبير رؤية كسينجر الذي جعل فيه تركيا عموده الفقري. غزة وضعت تركيا في امتحان صعب، ماذا فعلت لإغاثتها؟! تصريحات حماسية تهديد ووعيد.
هاجس أردوغان إحياء الدولة العثمانية أكثر من أن يكون مستحيلاً حتى من الجانب الأمريكي الذي يقف إلى جانب إسرائيل وضد المشروع التركي، ولكن تركيا تملك أوراق اللعبة في سورية، وقد يحدث صراع بين تركيا وإسرائيل على مستوى النفوذ وعلى مستوى هوية المنطقة وتقسيم البلاد على الأراضي السورية واللبنانية، باعتبار أن إسرائيل لها حدود مع تركيا ولو لم تكن جغرافية (وكلائها)، بالعربدة الإسرائيلية ما الذي يضمن أن تقول إسرائيل إن مستوى الصواريخ التركية تشكل خطراً عليها في المستقبل، في السياسة لا صديق دائم ولا عدو دائم، نعم سيتصارعون على النفوذ وتصطدم المشاريع، وسورية في مهب الريح. صراع إقليمي يندرج تحت الدولة السورية على مستوى مستقبلها مع غياب قرار دولي حاسم لتقسيم سورية، تواصل إسرائيل إعادة ترسيم خرائط المنطقة بشكل عام وسورية ولبنان بشكل خاص بما يخدم مشروعها بطمس الهوية الوطنية وإحداث تغيير فعلي على المستوى الجيوسياسي، عدونا على أعتابنا فمن ينقذنا؟ أهي المعجزة؟ أتراها ممكنة؟!