بناء المواطنة السورية في زمن الجراح

د. سمير العيطة / رئيس منتدى الاقتصاديين العرب:

لعلّ أعسر ما تواجهه المجتمعات الخارجة من أتون نزاعاتها الداخلية ليس إعادة الإعمار المادّي، بل إعمار ما هو أدقّ وأعمق: الانتماء المشترك. ذلك الإحساس الذي يجعل المواطن يرى في جاره شريكاً في الوطن لا منافساً في البقاء، وينتمي إلى هويّة وطنية جامعة دون أن تُلغي بالضرورة انتماءاته الأخرى من طائفة وإثنية وعشيرة ومنطقة. وهذا بالضبط هو التحدّي الذي يواجه سورية اليوم.. وإن بدا هذا التحدّي جديداً في سياقه السوري الراهن، فجذوره أعمق وأبعد مدى.

يتّسم المجتمع السوري، شأنه شأن المجتمعين اللبناني والعراقي وغيرهما، بتعدديّة الهويّات. بل إنّ بعض الباحثين يذهبون إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن (تعدديّة الأزمنة): فلكلّ جماعة أيام أعيادٍ تشكّل رموزاً راسخة لهويتها، مختلِفة عن أعياد الجماعات الأخرى. وقد أضافت الدولة الحديثة إلى هذا المشهد أعياداً (وطنية) جامعة، تشكّل رمزاً للانتماء المشترك وتتعايش مع الأعياد الخاصة بكلّ جماعة. ويصبح العبث بهذه الأعياد الوطنية تقويضاً للهوية المواطنية الجامعة، بقدر ما يكون تهديداً للجماعات في أعيادها الخاصة.

بناء (المواطنة المتساوية) في هذه الظروف ليس أمراً يسيراً، لكنّه يبقى مسؤولية كبرى تقع على عاتق السلطة الانتقالية وجميع مكونات المجتمع معاً. صفحة الصراع يجب أن تُطوى بوعي وإرادة، لا بمهرجانات خطابية فحسب، ولا بممارسات وسرديات تُكرّس الهشاشة وتُعيد إنتاجها. المواطنة الحقيقية لا تُمنَح بمرسوم، بل تُبنى يوماً بعد يوم، في المدرسة والمحكمة والثكنة والسوق، في كل لحظة تختار فيها الدولة العدل على الولاء، والمؤسّسة على الشخص، والوطن على الطائفة.

هذا هو الرهان الحقيقي لسورية في مرحلة ما بعد الحرب: ليس فقط إعادة الإعمار، بل إعادة اختراع العقد الاجتماعي.

 

العدد 1212 - 26/08/2026