اقتصاد كرة القدم.. مونديال كأس العالم أحد أهم مؤشرات هذا الاقتصاد
ما هو انعكاس مونديال كأس العالم ٢٠٢٦ عـلى الاقتصـاد الســوري؟!
متابعة الدكتور سلمان صبيحة:
بحسب المعطيات الدولية، فقد ظهر مصطلح (اقتصاد كرة القدم) (Football Economics) كحقل دراسي وتحليلي منظم في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وتحديداً مع تزايد الاهتمام الأكاديمي بتحليل الجوانب المالية للرياضة مثل رواتب اللاعبين، ونظام الانتقالات، والأثر الاقتصادي للأحداث الكبرى.
تاريخياً، بدأت في عام ١٨٦٣ المقاربة الاقتصادية تتسلل للعبة عند تأسيس اتحاد كرة القدم في إنجلترا، فقد تحولت اللعبة من مجرد نشاط ترفيهي إلى رياضة منظمة لها ميزانية وتنظيم إداري.
بعد ذلك تبلور هذا المفهوم كما قلنا منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، إذ بدأ الباحثون والأكاديميون في دراسة كرة القدم كصناعة حقيقية لها سوق وعوائد وتأثيرات اقتصادية، واستمر هذا الأمر بالتطور والاهتمام لغاية التسعينيات، حين ظهر ما سمي آنذاك بالانفجار التجاري، وتحولت على أثره كرة القدم إلى اقتصاد ضخم بمليارات الدولارات، طبعاً بفضل دخول حقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية، والاستثمار المؤسسي والدولي.
لقد بات واضحاً، أن ما يُقصد بـ(اقتصاد كرة القدم) هو التحول الجذري للعبة من مجرد نشاط رياضي وترفيهي إلى صناعة عالمية ضخمة تدر مليارات الدولارات وتؤثر بشكل مباشر على اقتصادات الدول.
مع مرور الوقت وزيادة الاهتمام بات (اقتصاد كرة القدم) حالياً يمثل نحو ٢٠٪ من حجم الاقتصاد الرياضي العالمي الذي يقدر بـ ٢.٦ تريليون دولار، وأصبحت اللعبة أشبه بناتج قومي إجمالي يدار عبر تكتلات كبرى. فالأندية والبطولات تُدار كشركات استثمارية كبرى تبحث عن الربح المالي وتوسيع نطاق الأعمال.
الركائز الأساسية
لاقتصاد كرة القدم
تعتمد هذه الصناعة على عدة أعمدة رئيسية تساهم في تدفق الأموال وتنشيط الأسواق وهي:
١- حقوق البث التلفزيوني: تُعد المصدر الأكبر للدخل؛ فالقنوات والشبكات الإعلامية تدفع مبالغ فلكية للحصول على حقوق نقل المباريات، مما يضمن تمويل الأندية وتطويرها.
٢- الرعاية والإعلانات: تجذب اللعبة كبرى الشركات العالمية لاستثمار أموالها في رعاية الأندية، والبطولات، واللاعبين، للوصول إلى قاعدة جماهيرية واسعة.
٣- عقود وانتقالات اللاعبين: تحولت أجساد اللاعبين إلى (أصول اقتصادية) تُباع وتُشترى بمئات الملايين، إضافة إلى رواتبهم الضخمة التي تحرك الأسواق.
٤- السياحة والأحداث الرياضية: البطولات الكبرى (مثل كأس العالم) تجذب ملايين السياح، فينتعش معه قطاع الفنادق، الطيران، والمطاعم في الدول المستضيفة.
٥- صناعة المنتجات والتسويق: بيع قمصان الفرق، التذاكر، والألعاب الإلكترونية المرتبطة بكرة القدم، والذي يولد أرباحاً هائلة للشركات المصنعة والأندية.
الفوائد الاقتصادية للدول
تتجاوز فوائد كرة القدم حدود المستطيل الأخضر لتخدم الدول المستضيفة؛ فهي تساهم في تحفيز الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وخلق فرص عمل جديدة في مختلف القطاعات، مما يجعلها أداة فعالة لتحقيق التنمية الاقتصادية.
-مونديال كرة القدم، مثال عن اقتصاد كرة القدم وأحد أهم مؤشراته الاقتصادية وخاصة مونديال ٢٠٢٦، فهو يعتبر أكبر مشروع اقتصادي ومالي في الرياضة العالمية، وتحولت البطولة إلى منصة اقتصادية وإعلامية متكاملة تدر المليارات. في هذه النسخة التي تستضيفها كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، توسعت البطولة لتشمل ٤٨ منتخباً وتتضمن ١٠٤ مباريات، مما ضاعف فرص الاستثمار والعوائد التجارية بالشكل التالي:
أولاً- إيرادات الاتحاد الدولي (فيفا) القياسية: تستفيد (الفيفا) بشكل رئيسي من إقامة المونديال عبر عدة قنوات، فمن المتوقع أن تحقق البطولة إيرادات تقارب ٩ مليارات دولار خلال عام ٢٠٢٦ وحده، وتصل ميزانية الدورة المالية الحالية (٢٠٢٣- ٢٠٢٦) إلى ١٣ مليار دولار (بحسب التقارير الدولية)، وذلك من خلال حقوق البث التلفزيوني – الرعاية والتسويق – التذاكر والضيافة.. وغيرها.
ثانياً- التكلفة الاقتصادية على الدول والمدن المستضيفة: على الجانب الآخر، تحمل الدول والمدن المستضيفة الفاتورة الأكبر المتمثلة في تكاليف التنظيم، الأمن، وتطوير البنية التحتية:
١- تجهيز البنية التحتية: تتطلب استضافة الحدث تطوير شبكات النقل، والمطارات، والملاعب، والفنادق لاستيعاب مئات الآلاف من المشجعين.
٢- الإنفاق الأمني والتشغيلي: تتحمل المدن المستضيفة تكاليف باهظة لضمان الأمن وإدارة الحشود ومرافق الخدمات العامة.
٣- العوائد السياحية: في المقابل، تستفيد اقتصادات المدن المستضيفة من تدفق الجماهير، مما ينعش قطاعات السياحة، الضيافة، والمطاعم، رغم أن التكاليف الأولية للتنظيم قد تفوق العوائد قصيرة الأجل في بعض الولايات. ثالثاً- القيمة السوقية وعوائد المنتخبات والاتحادات:
أعاد مونديال ٢٠٢٦ رسم خريطة القيمة السوقية للاعبي كرة القدم، وينعكس اقتصاد المونديال على الأطراف المشاركة كالتالي:
١- العوائد المالية للمنتخبات: تخصص الفيفا جوائز مالية ضخمة للاتحادات المشاركة، مما يدعم ميزانيات تطوير اللعبة محلياً.
٢- القيمة السوقية للاعبين: تلعب البطولة دور (النافذة) الأكبر لإبراز المواهب، مما يؤدي إلى ارتفاع قيمهم السوقية وزيادة صفقات الانتقالات للأندية.
وبحسب المعطيات يُعد مونديال كأس العالم ٢٠٢٦ النسخة الأغنى والأضخم مالياً في تاريخ بطولات كأس العالم، فقد خصص الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إجمالي جوائز مالية قياسية تصل إلى ٦٥٥ مليون دولار للمنتخبات الـ ٤٨ المشاركة، وتتدرج المكافآت المالية وتزداد قيمتها تدريجياً مع تقدم المنتخبات في الأدوار الإقصائية، وتتوزع الجوائز كالتالي:
-البطل: ٥٠ مليون دولار.
-الوصيف: ٣٣مليون دولار.
-المركز الثالث: ٢٩ مليون دولار.
-المركز الرابع: ٢٧ مليون دولار.
-المتأهلون لربع النهائي: ١٩ مليون دولار لكل منتخب.
-المتأهلون لثمن النهائي: ١٥ مليون دولار لكل منتخب.
-دور الـ ٣٢: ١١ مليون دولار لكل منتخب.
-الحد الأدنى للمشاركة (دور المجموعات): ١٠.٥ ملايين دولار (تشمل ٩ ملايين دولار مقابل المشاركة، و١.٥ مليون دولار لتغطية تكاليف الإعداد والتحضير).
ما هو انعكاس مونديال كأس العالم ٢٠٢٦ على الاقتصاد السوري؟
لم يكن التأثير الاقتصادي لمونديال كأس العالم ٢٠٢٦ على سورية تأثيراً مباشراً من حيث مشاركة المنتخب أو استضافة المباريات، بل تركزت الانعكاسات بشكل أساسي على تحفيز قطاعات تجارية محددة وزيادة الإنفاق الاستهلاكي، وكان أبرز مظاهر هذا الأثر كما يلي :
١- تنشيط قطاع الخدمات والمقاهي:
شهدت المقاهي، والمطاعم، والساحات العامة إقبالاً واسعاً لمشاهدة المباريات، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في مبيعات المأكولات والمشروبات وتحريك عجلة قطاع الضيافة، إلى جانب إقامة فعاليات جماهيرية رسمية كما حدث في مدينة المعارض القديمة بدمشق.
٢- زيادة مبيعات الأجهزة الإلكترونية:
ارتفع الطلب على شاشات التلفاز الذكية، وأجهزة الاستقبال، واشتراكات القنوات الرياضية الناقلة للبطولة.
٣- انتعاش تجارة التجزئة والمستلزمات الرياضية: فقد شهدت الأسواق طلباً على قمصان المنتخبات والأعلام، مما ساهم في دعم ورشات الخياطة المحلية وتجار الألبسة الرياضية.
٤- حركة التحويلات المالية:
شهدت فترة المونديال نشاطاً في تحويلات المغتربين السوريين في الخارج إلى عائلاتهم، مما ساهم في توفير سيولة إضافية في السوق المحلية.
من جهة أخرى وبحسب رأي بعض المتابعين للشأن الاقتصادي السوري، فإن هذه الفعاليات تأتي ضمن سياق اقتصاد سوري يشهد بوادر تعافٍ تدريجي وإصلاحات مالية، مع توقعات بتحقيق نمو اقتصادي إيجابي وانفتاح أوسع على الاستثمارات الخارجية ورفع العقوبات.