مرّةً أخرى حول سوق السلاح: تجارة.. أم سياسة؟

يونس كامل صالح:

بدأت سوق السلاح ببداية اختراع البارود في القرن الرابع عشر، وازدهرت سلع هذا السوق على مرّ الأيام حتى أصبحت في عصرنا الحالي ركنا هاماً من أركان التجارة الدولية، فمن طريقها تقوم حكومات على أنقاض نظم أسقطت بالقوة، وعن طريقها يمكن تشكيل السياسات الخارجية للدول وتوجيهها وجهة معينة، فليس هناك عامل مؤثر على طبيعة العلاقات بين الدول كالسلاح مهما قيل عن أهمية الوسائل الأخرى. لذلك لم تعد تجارة الأسلحة مجرد تجارة تنشر الحروب والدمار، ولكنها تجارة تفرض سياسات معينة، وتشكّلها. فإن كان الاستقطاب غرضاً رئيسياً في الاستراتيجية العالمية، فإن تجارة السلاح أو نقل السلاح هو أداته الحاسمة.

ولكي نبين الحجم الحقيقي للسلع المتداولة في هذه السوق الغريبة التي تنفق أكثر من تريليون مليار دولار في العام، أي بمعدل أكثر من مليون دولار في الدقيقة، وذلك حسب الاحصائيات الغربية، وإن الضرائب التي تدفعها العائلات على التسلح تفوق ما تدفعه لتعليم أولادها، ولدى الدول النامية جندي من كل 250 من السكان، وطبيب واحد لكل 4000 من الأفراد، وتدفع الدول النامية في التسلح أكثر من ستة أمثال ما تدفعه في الإنتاج الزراعي من حصيلة العملة الصعبة. وفي الوقت نفسه الذي تتصاعد فيه النقود المتداولة في هذا السوق، نجد أن الحالة الاجتماعية والاقتصادية للدول في أزمة حقيقية. فلقد ازداد عدد الأفراد الذين يعانون من سوء التغذية، وازداد كذلك عدد الأميين، ومن تنقصهم الرعاية الصحية، وانخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي، وفي الوقت نفسه ارتفعت صناعة الأسلحة لتبلغ مقادير هائلة. وبالرغم من أن متوسط دخل الفرد في العالم الثالث لا يزيد عن 1/12 من متوسط دخل الفرد في الدول الصناعية، فإن العالم الثالث يشتري حوالي 75% من كل صادرات الدول الصناعية من الأسلحة تقريباً سنوياً.

ومن جانب آخر، فإن تأثير صناعة السلاح ونقله وتصديره له نتائج إيجابية على الدول المنتجة: إذ يعمل في هذه الصناعة أكثر من 50 مليون عامل، و20% من مجموع العلماء والمهندسين. وبذلك أصبحت الصناعات الحربية صناعة رئيسية يعتمد عليها النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. إذ إنها تحتاج إلى المواد الخام من الدول النامية، وفي الوقت نفسه فهي تسعى لإيجاد أسواق للتوزيع لتغطية نفقات الإنتاج ولموازنة ميزان المدفوعات، وتحقيق الأرباح الفاحشة، وبذلك فإن معدلات إنتاج الأسلحة هي في تصاعد مستمر في جميع البلدان الرأسمالية الصناعية الكبرى. وتحوز الولايات المتحدة الأمريكية على النسبة الأعلى في تصدير الأسلحة إذ تصل إلى أكثر من 40% من التصدير العالمي، وتليها روسيا وبقية البلدان الأخرى. وهكذا نرى أن سوق السلاح يعتمد على حركة السلعة من المنبع، وهي الدول المصنعة، إلى المصب وهي الدول المستخدمة. والمنبع يطلق عليه الدول المركزية، والمصب تمثل ما يعرف بالدول الهامشية.

فالحركة في ظاهرها أمر طبيعي في السلع الأخرى كما يتم في السلع المتعلقة بشؤون السلاح، ولكن الواقع غير ذلك تماماً، فالتحرك في مجال السياسة العالمية أصبح محكوماً بعدة عوامل أهمها مصلحة الدول العظمى، وسعيها لتحقيق التوازن ووصولها إلى حد التعادل بين قوتين بحكم الرعب النووي، ولذلك يتم الانطلاق إلى (الهامش) لكسب معركة التوازن هناك. وبالتالي على الدول النامية، ونحن منها، أن تتحرك في ظل هذه الحقيقة، والحركة في المجال العسكري تحتاج إلى طاقة، لكن الحصول على الطاقة في سوق السلاح ليس سهلاً على الإطلاق، لأن لهذه التجارة قوانين تتدخل وتتحكم فيها.

أول هذه القوانين هي مصلحة الدول المنتجة في العطاء، وهذه المصلحة هي التي تحدد طبيعة القرار بالموافقة أو الرفض. والقانون الثاني هو الحجم المحقق لمصلحة الدول المنتجة من وراء ذلك في إطار سياستها العالمية. والقانون الثالث هو عدم تجاوز الشحنة المعطاة لدولة من الدول الحد الذي يسمح لها بتجاوز الخط الحرج. وهذه العوامل مجتمعة تحدد: نوع السلاح وحجمه ومداه. والقانون الرابع في التعامل هو أن يتم التنفيذ بحيث يضمن الإبقاء على العلاقة المستمرة بين الدولة التي تعطي والدولة التي تأخذ، أما القانون الخامس الذي ينظم هذا النوع العجيب من التعامل فهو ضمان عدم كشف ما في الترسانات من وسائل الدمار. وعلى ذلك فإن الدولة المنبع التي تعطي حريصة كل الحرص ألا تعطي أو تبيع إلا من الأصناف التي تجاوزتها ابتكارات تقنية أخرى أصبحت في خطوط الإنتاج.

وفي ظل هذه القوانين يتم التعامل بعمليات حسابية دقيقة تجري فيها موازنات شاملة، بين ما يجب وما ينبغي أن يكون. ويخطئ من يظن أنه قادر على إلغاء هذه القوانين، فمن يريد أن يأخذ أكثر عليه أن يدفع أكثر، والدفع ليس بالضرورة عملة نقدية، ولكن هناك وسائل أخرى كثيرة ومتعددة يتم بها تغطية الحساب، كالقواعد، والتسهيلات، والاستقطاب، والوفاق الاستراتيجي، والتعامل مع الشركات يخضع للقوانين نفسها، وكذلك مع الأفراد، علماً أن التطور العاصف في هذه التجارة جعل من دور الأفراد دوراً وسيطاً فقط أي أن الأفراد يلعبون في هذه التجارة دور السمسار فقط، أما هذه التجارة فقط أصبحت في يد (الشركات العملاقة) التي أصبحت شركات متعددة الجنسية، وتجني الأرباح الهائلة من هذه التجارة.

وأخيراً، يبقى السؤال الهام الذي يجب التفكير فيه ليلاً ونهاراً، وهو كيف يمكن لنا أن نجعل التعامل في هذه السوق العجيبة الغريبة أقرب إلى التجارة منها إلى السياسة؟

إن الإجابة على هذا السؤال بطريقة صحيحة تصحح المسار وتضع استراتيجيتنا الحائرة على الطريق السليم.

العدد 1211 - 19/08/2026