ترامب يُهيمن على قمة (ناتو) في أنقرة.. وأوربا تبحث سبل (احتوائه)
تلتئم قمة الحلف الأطلسي في أنقرة، يومَي الثلاثاء والأربعاء القادَمين، وسط مخاوف أوربية من خطط الإدارة الأمريكية بخفض الحضور العسكري الأمريكي في أوربا، بالتوازي مع تنامي القلق مما تخطِّط له موسكو.
وما يفاقم النظرة الأوربية التشاؤمية توقع أن يضاعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقاداته لحلفائه الأطلسيِّين، الذين لم يستجيبوا لطلبه بالانخراط في الحرب التي أطلقها مع إسرائيل ضد إيران من غير استشارتهم، صبيحة 28 فبراير (شباط) الماضي، ورفض بعض الحلفاء (مثل فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا) السماح لواشنطن باستخدام مطاراتها لهبوط طائراتها الحربية، في طريقها إلى مسرح الحرب في الشرق الأوسط.
إلى ذلك، يدفع اشتداد الهجمات الروسية على أوكرانيا، كما حصل ليل الأربعاء إلى الخميس؛ إذ تعرَّضت كييف لأسوأ الهجمات الجوية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، الأوربيِّين إلى استشعار الحاجة للحضور العسكري الأمريكي الرادع، بينما واشنطن بدأت منذ شهر أيار (مايو) في تقليص عديد القوات ومنظومات السلاح المخصَّصة للجناح الأوربي لـ(ناتو).
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى الجدل الذي دخلت فيه رئيسة الوزراء الإيطالية مع ترامب على خلفية ادّعاء الأخير أنَّها توسَّلت إليه لالتقاط صورة معه، وأنَّه تحاشاها، وما أعقب ذلك من تضامن أوربي مع جورجيا ميلوني ما قد تكون له تبعاته على أجواء القمة الأطلسية.
استياء الرئيس
عدّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، أنَّه (من السخيف) استمرار الولايات المتحدة في علاقتها (الأحادية) مع حلف (ناتو). وكتب على منصته (تروث سوشال): (لم نجدهم عندما احتجنا إليهم)، مشيراً إلى أنَّ (علاقة واشنطن بحلف (ناتو) ليست متبادلة).
ويواصل ترامب انتقاد الحلفاء الأوربيِّين؛ بسبب موقفهم من الحرب ضد إيران. كما شدَّد على أنَّه يريد من أوربا أن تتولى المسؤولية عن دفاعها، وذلك بينما تعمل الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها. وتضمَّن منشوره رسماً بيانياً يوضِّح حجم إنفاق حلف شمال الأطلسي، حيث تستثمر الولايات المتحدة مبالغ أكبر بكثير من عدد قليل من الدول الأعضاء الأخرى التي شملها الرسم. وبضغط من ترامب، اتّفق قادة (ناتو) في اجتماع العام الماضي على زيادة الإنفاق المتعلّق بالدفاع إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وستُعقَد قمة الحلف المقبلة، التي ستجمع الدول الـ32 الأعضاء، في العاصمة التركية في السابع والثامن من تموز (يوليو).
تقليص الوجود الأمريكي
كثيرة هي التهديدات الترامبية للشركاء الأوربيِّين منذ ولايته الأولى. وتتكاثر الشكاوى العابرة للمحيط الأطلسي التي مفادها أنَّ الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من تكلفة الدفاع عن أوربا. وخلال اجتماع وزراء الحلف في بروكسل، يوم الخميس الماضي، كشف وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيت، عمّا تخطِّط له واشنطن، إذ دعا الأوربيِّين إلى إنشاء ما سماه (ناتو 3.0). وقال إنه (بعد انتهاء الحرب الباردة، يجب العودة إلى تحالف عسكري حقيقي يتمتَّع بقدرات عسكرية فعلية، قادر على تحقيق الردع هنا في القارة الأوربية، وعلى تولي القيادة في الدفاع التقليدي عن أوربا).
وبكلام أوضح، فإنَّ هيغسيت يُلقي عبء الدفاع التقليدي على عاتق الأوربيّين، بينما الردع النووي يبقى بيد الولايات المتحدة.
وفي السياق نفسه، عدَّ القائد الأعلى لقوات (ناتو)، الجنرال الأمريكي الطيار أليكسوس غرينكيفيتش، أنَّ الوضع الحالي لجهة التعويل على الشريك الأمريكي (غير صحي)، خصوصاً أنَّ واشنطن قد تكون مضطرة للانخراط في أكثر من نزاع.
ولأن واشنطن عازمة على السير فعلياً بخططها، فقد أعلمت الأوربيِّين منذ أسابيع عدة بعزمها على تقليص حجم قواتها، الذي كانت تلتزم به في حال حصول نزاع. ونقلت (رويترز) عن مصدر عسكري أمريكي، هذا الأسبوع، أنَّ التقليص سيطول طائرات التزوُّد بالوقود جواً، والمقاتلات، والطائرات المسيّرة، والسفن والقاذفات الاستراتيجية وعديد الجنود، مع احتمال إقفال بعض القواعد الأمريكية في أوربا.
وفي إطار نقمته على المستشار الألماني فريدريش ميرتس؛ بسبب الحرب على إيران، أعلن ترامب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا التي تستضيف نحو ثلث القوات الأمريكية المرابطة في أوربا، إضافة إلى أهم قاعدة جوية (رامشتاين). وسبق لترمب أن أعلن سحب قوات من بولندا، إلا أنَّه تراجع لاحقاً عن هذا القرار، بل أفاد بأنَّه سينشر 5 آلاف جندي إضافي في هذا البلد.
وأفاد مصدر لـ(رويترز) بأنَّ واشنطن سوف تُخفِّض عدد مقاتلاتها المُخصَّصة لـ(ناتو) بمقدار الثلث، ليصل إلى 99 طائرة، كما سينخفض عدد الطائرات المسيّرة إلى النصف ليبلغ 12 طائرة. وسيتراجع عدد طائرات التَّزوُّد بالوقود إلى 63 طائرة، والقاذفات الاستراتيجية إلى النصف، والحال نفسه تنطبق على المدمرات التي ستتراجع إلى النصف (9 مدمرات). كما ستُخصِّص البحرية الأمريكية حاملة طائرات واحدة، بينما ستسحب الغواصة الوحيدة القادرة على حمل صواريخ (كروز).
روته: إطفائي (الأطلسي)
بالنظر إلى هذا الوضع (غير المريح) للأوربيِّين، فإنَّ همهم الأول كما يقول مصدران أوربيَّان في باريس، هو العمل على (إرضاء) ترمب خلال قمة أنقرة لتحقيق عدد من الأهداف الرئيسية: إبقاء الولايات المتحدة منخرطةً في الدفاع عن الجناح الأوربي للحلف، واجتذاب ترامب مجدداً لتوفير الدعمَين العسكري والمالي لأوكرانيا، والبناء على ما تحقَّق في قمة (مجموعة السبع) الأخيرة في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث بدّل ترامب لهجته ومقاربته للحرب في أوكرانيا وقبِل الاجتماع مرتين بالرئيس فولوديمير زيلينسكي.
في حمأة هذه التطورات، يلعب أمين عام الحلف الأطلسي، مارك روته، دور الإطفائي الساعي دوماً لاحتواء غيظ ترامب ونقمته على الأوربيِّين. والعام الماضي، بمناسبة انعقاد القمة الأطلسية في لاهاي، في شهر يوليو، لم يتردَّد روته في تشبيه ترمب بـ(والدي). ولا يبدو أن روته وضع حدوداً لمحاولة إرضاء ترامب. فخلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض، منتصف الشهر الماضي، للتحضير لقمة أنقرة، حضر روته رسماً بيانياً بأحرف ذهبية حمل عبارة (تريليون ترمب) الذي يجمل زيادات الإنفاق العسكري الأوربي منذ عام 2017، أي منذ وصول الرئيس الأمريكي إلى البيت الأبيض المرة الأولى.
كذلك، ذكّره بأن الأوربيين قبلوا برفع نسبة إنفاقهم الدفاعي إلى 5 في المئة (باستثناء إسبانيا)، بحلول عام 2035، بينما لا يزال إنفاق عضوَين أطلسيَّين (تشيكيا وسلوفاكيا) دون الحد الأدنى، أي 2 في المئة من الناتج المحلي الخام، بينما الدول الأخرى تجاوزت عتبة 3 في المئة.
وما يسعى إليه أمين عام الحلف الأطلسي هو نزع حجة ترمب الخاصة بتقاعس الأوربيين عن الوفاء بالتزاماتهم إزاء النادي الأطلسي. ووفق قول مصدر أطلسي لـ(رويترز) الأربعاء، فإنَّ الأوربيين نجحوا (إلى حد كبير) في سدّ الفراغ الناتج عن تقليص الحضور العسكري الأمريكي، وإن ما تنقصهم هي القاذفات الاستراتيجية. وسبق لروته أن أكّد منتصف حزيران (يونيو) أن دولاً أوربية أطلسية عزَّزت مساهماتها العسكرية، وتعمل على تغطية (الكثير) من الثغرات دون الكشف عن مزيد من تفاصيل.
مضيق (هرمز) مجدداً
ليس ما سبق سوى جانب مما يعتزم الأوربيون القيام به من أجل (احتواء) الرئيس الأمريكي. ذلك أنَّ في جعبتهم أوراقاً أخرى كإعلان الاستعداد لمساعدة واشنطن في ضمان حرية الإبحار في مضيق (هرمز)، من خلال مبادرة فرنسية – بريطانية لتشكيل تحالف بحري دولي يقوم بنزع الألغام من مياه المضيق، ومواكبة الناقلات والبواخر الراغبة بالخروج منه أو الدخول إليه.
وتؤكد باريس ولندن أن 12 دولة مستعدة للمساهمة في المهمتين، وأبرزها إيطاليا وألمانيا وهولندا. لكن العاصمتين متمسكتان بأن (المهمة) سلمية الطابع، ويجب أن تحظى بقبول الولايات المتحدة وإيران وعمان، وأن تكون (مستقلة) عمّا تقوم به القوات الأمريكية في المنطقة.
ليس سراً أنَّ ترمب يهوى العقود الكبرى. لذا من المرتقب أن تعلن دول أوربية عدة إبرام اتفاقات مع شركات السلاح الأمريكية الرئيسية، الأمر الذي من شأنه أن يعكس الفائدة التي تجنيها واشنطن من حلفائها الأوربيين من عقود التسلح، فضلاً عن تمتّعها بـ(حاملة طائرات أرضية من 30 دولة أوربية). وثمّة مَن يهمس في باريس أنَّ الأوربيين توافقوا على عدم إثارة أي ملف يمكن أن يُشعر ترامب بأنَّه يستهدفه، مُنوّهين ببراعة الرئيس الفرنسي الذي نجح من خلال دعوة ترامب إلى العشاء خلال (قمة إيفيان)، في إبقائه حتى نهاية أعمال القمة التي استمرت 3 أيام. لكن يبدو أن قمة أنقرة ستكون قصيرة نسبياً، باعتبار أن الرئيس الأمريكي كان قد يمتنع عن المشاركة لو لم يكن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هو الجهة المستضيفة.
عن (الشرق الأوسط)