بعد هجوم موسكو.. الرد الروسي أصبح غير متوقع وغير محدود
د. نهلة الخطيب:
لا يمكن الفصل بين ما يحدث في الشرق الأوسط، وما يحدث في الشرق الأوربي، فالمايسترو واحد والصراع تجاوز خطوطه الحمراء. كييف وموسكو تحترقان، تدمير محطات الوقود ومصادر الطاقة في البلدين بأكبر هجوم على كييف بأكثر من 500 مسيرة و700 صاروخ كان رد بوتين على قصف موسكو الذي كان أحد تفاهمات قمة السبع إضافة إلى إغلاق معابر سكك الحديد مع فنلندا وأستونيا ولاتفيا وما له من تبعات اقتصادية.
هجوم موسكو يؤكد الاستمرار وأنه لا يوجد خطوط لا يمكن تجاوزها، ويؤكد وجود تغيّر في النفس الغربي في التعامل مع الأزمة الأوكرانية واستخدام الأسلحة الغربية بعد أن كانوا يعترضون على استخدامها سابقاً لاستهداف العمق الروسي تفادياً لمواجهة مباشرة مع روسيا.
استهداف العاصمة الروسية سيكون له آثار جيوسياسية خطيرة، فالرد الروسي أصبح غير متوقع وغير محدود، والضربة أمريكية وليست أوكرانية ربما تكون جزءاً من حرب ترامب على إيران وحلفائها عبر أوكرانيا، أليس زيلنسكي جزءاً من المحور الأمريكي الإسرائيلي؟! وروسيا حليف إيران تخوض الحرب بمساندة لوجستية بتعيين الأهداف والمواقع وتضع خطط الحرب والتحكم بإغلاق المضيق الذي يزيد خنق القارة الأوربية.
وزاد التصعيد القائم الآن بالتسلح والتهديد من كلا الطرفين فالتهديدات الروسية مستمرة من جهة، والحديث الآن عن صواريخ بالستية وأسلحة متطورة وصلت إلى روسيا، يقابلها صواريخ بعيدة المدى أمريكية بريطانية. انهيار الاقتصاد العالمي بتصاعد أسعار الطاقة وارتفاع معدل التضخم وتضاؤل القوة الشرائية وارتفاع أسعار السلع وتفاقم الفقر وارتفاع معدل الهجرة غير الشرعية التي أثقلت القارة العجوز، ليتدخل ترامب بمنطق رجل السلام (مفاوضات تحت التهديد) بعد أن أشعل حروباً استنزفت الجميع في الشرق الأوسط وفي القارة الأوربية، وبعد الهجوم الموجع لموسكو، وهو يبث تغريداته عن السلام (حان وقت وقف القتل العبثي في أوكرانيا ولنعمل صفقة السلام)، أليست أمريكا من أدخلت العالم في أتون هذه الحروب وتفجير فتيل التوتر بين روسيا وأوربا محاولة لفصل روسيا عن أوربا أكده زبيغنو بريجنسكي (سكرتير الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر) إلى أهمية أوكرانيا في إبعاد روسيا عن أوربا. وجاء ترامب الذي شدد على ضرورة تفكيك الاتحاد الأوربي، فتضافرت الجهود لاستنزاف عزم الدول الأوربية، إذ اعتمدت أوكرانيا إلى حد كبير على دعمها المرهق لمواردها المالية والعسكرية، وليس من المستغرب أن دول اليورو كلها بعد تطورها الملحوظ الآن تعلن التقشف وإفلاس كثير من شركاتها، وفي محاولة لتقزيم الحضارة الأوربية يرى ترامب في تغريدة وما أكثر تغريداته: (لتتعلم أوربا أنه عندما تستقبل مجرمين تصبح دولاً من العالم الثالث يحدث ذلك بسرعة في غمضة عين).
نحاول أن نستذكر ما حصل وما يحصل منذ اندلاع الحرب، والمفترض حسمها في أيام قليلة كما روج لها الإعلام الروسي وقتذاك، ولكن ربما أخطأت روسيا التقديرات، والخطأ الحقيقي أنها لم توجّه ضربة للعاصمة كييف لإسقاط نظامها، خمس سنوات على الحرب والتفاعلات الأوكرانية الداخلية والخارجية مستمرة ولم تحسم لصالح طرف دون الآخر، استنزفت الجميع رغم التفوق العسكري وسيطرت روسيا في الميدان، لا روسيا ولا أوكرانيا مستعدة حالياً للتفاوض واحتمالية ألا يكون هناك تمديد للصراع بدأت تتسع، فهي معركة وجودية لروسيا ضد الغرب، وعلى الأوربيين أن يتحملوا مسؤولياتهم، وهذا واضح للأوربيين وحلف الناتو الذين استعدوا منذ عودة ترامب مع الانخراط الحتمي للقوات الأمريكية بشكل أو بآخر في هذه الصراعات.
حالياً نشهد فصلاً جديداً من الحرب يعد تحولاً في مسارها بملامح جديدة ويعيد زخم المعارك بشكل أكبر ويبعد طيف التفاوض الذي تحدث عنه ترامب عندما دعا بوتين إلى محادثات سلام في ألاسكا.
إنه (هجوم موسكو) الذي بدأ بعد قمة السبع بأعنف هجوم قامت به القوات الأوكرانية بشكل سري ومفاجئ، هي ضربة موجعة لروسيا بدعم استخباراتي ومعلوماتي كبير من الناتو وأمريكا والسماح باستخدام السلاح الغربي والأمريكي، (ترمب الذي خدع بوتين بالمفاوضات لكسب الوقت لتسليح أوكرانيا وتنفيذ ضربات تستهدف الاقتصاد الروسي)، فالأسلحة الغربية لعبت دورها في هذا الهجوم، ويمكن أن يكون له دور في عمليات لاحقة، والخوف من توجيه ضربات لمناطق أخرى تتضمن مواقع بالأراضي الروسية يمكن استهدافها أبعد بكثير من المناطق الروسية الحدودية مع أوكرانيا وجسر القرم مهدد بشدة وهو استفزاز لبوتين لاستخدام النووي وحديث موسكو المتكرر وتحذيرها من حرب عالمية ثالثة، فإلى أي مدى سيستفز ذلك بوتين ويجره إلى اعلان حرب على الدول الغربية في ظل سماح فنلندا بنشر أسلحة نووية على حدودها مع روسيا وهذا ما يشكل خطر على الأمن الروسي القومي؟؟.
على ضوء هذه التطورات وبالنظر إلى تسارع الأحداث في الشرق الأوسط واحتمال مشاركة روسيا عسكرياً في حال اندلعت الحرب هناك والخوف من عودة الضربات الروسية العنيفة على كييف ومحاولة احتلالها بتسريب خطط للجيش الروسي حول العملية تزيد المخاوف بشأن احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة من الصعب تفاديها لعدم الثقة بين الدول الكبرى، «روسيا قد تخسر معركة، ولكنها لا يمكن أن تخسر حرباً»، وبوتين لا ولن يقبل بالهزيمة في أوكرانيا مهما كلف الأمر وهو يخوض حرباً مصيرية جيوسياسية لن تتوقف حتى تتحقق أهدافها ليس فقط في أوكرانيا بل في مواجهة أمريكا.
لعبة الأمم قد توحي بسيطرة القطب الأمريكي، ولكن الواقع يثبت أنها تعدت حدود الجغرافيا السياسية، والقطبان الصيني والروسي يضربان يدهم على الطاولة لرسم الخرائط الجديدة، والجميع ينتظر على صفيح ساخن لإعادة رسم جغرافيا الحصص والمصالح ليضع العالم ضمن كارثة لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية.