د. نهلة الخطيب:
الوضع ضبابي بكل الاحتمالات، لا أحد يستطيع تصور ما سيحدث في الأيام القادمة، فأمريكا لا تتقن لغة الحوار والدبلوماسية بل دائماً وأبداً تتعامل بمبدأ القوة والأرض المحروقة وبانتظار لحظة الحسم، ترامب لا يريد حرباً الآن، وتجنباً لحرب مفتوحة أو حرب استنزاف، بدأت مفاوضات وجرى توقيع مذكرة تفاهم بينه وإيران، ولكنه ليس راضياً عن نتائج الحرب ولا عن الاتفاق الذي منح إيران كل ما تريده، وهو الذي كان يهدد بمحو الحضارة الإيرانية، نتنياهو والمتطرفون في حكومته يضغطون لاستمرار الحرب ليحققوا إنجازاً يُحسب لهم ونصراً انتخابياً يرسخون به أقدامهم في السلطة، ولكنهم يجازفون بكل ما بنته إسرائيل، فإيران ليست كما تصوروا.
إسرائيل بحاجة إلى أمريكا لضمان بقائها، وأين إسرائيل لو لم توفر لها أمريكا مظلة عسكرية واسعة لإسقاط النظام الإيراني، وإن كان صعب المنال، هو طموح نتنياهو ولن يتحقق إلا بمباركة أمريكية، والرقص بين إسرائيل وأمريكا وإيران على أرضنا، وإن كانتا لا تريدان توسيع نطاق الحرب ولكن كل طرف يريد أن يوجع الآخر، إسرائيل ماضية إلى ما لا نهاية في كسر محور المقاومة والقضاء على حزب الله بتدمير البنية التحتية لحزب الله وتجريده من السلاح، ولكنها لم تنجح في إحباطه، بل رفعت قدرته على الدفاع عن أرض الجنوب، فما الذي تستطيع إسرائيل فعله أمام هذه الجبهات المفتوحة من إيران ومن المقاومة اللبنانية؟ وهل مطلوب من إيران أن تدافع عن لبنان وأن تحارب بدلاً من أصحاب الأرض.. العرب؟!
في لبنان، المقاومة أوجعت إسرائيل، ويحاولون إيجاد بديل للقتال، وترامب عينه على سورية، فهو يغرّر بالنظام السوري ويطلب منه علناً أن يتدخل في لبنان للقضاء على الحزب، بذريعة الثأر وبطلب من الحكومة اللبنانية التي ستطلب ذلك رسمياً، بعد أن وقعت اتفاق الإطار مع إسرائيل، ولكن ما يعيق ذلك هو الرفض التركي، فالمشهد معقد والأمور لا تسير في صالح إسرائيل ولا أمريكا، لم يحسم موضوع لبنان في التفاهمات الأمريكية الإيرانية، بل من خلال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، التي جرى من خلالها إبعاد حزب الله وإيران، ولذلك نتنياهو يشكر السلطة اللبنانية التي منعت إيران من إخراج جيشه باتفاق قسري مع ترامب، ويصف تصرف الحكومة اللبنانية بالشجاع. نحن الآن أمام اتفاق لبناني إسرائيلي سعى له ترامب منذ شهور، أُعلن ونُفذ بساعات خاتمة تماثل كل حروب لبنان المريرة مع إسرائيل، بل الأسوأ، وفق الاتفاق ستوقف الحرب ويسيطر الجيش اللبناني على الجنوب، على أن يبدأ التجربة بمنطقتين صغيرتين، أما الواقع فإن الابتعاد عن الحدود لا يعطل صواريخ الحزب، وقد ظهر أنه يحتفظ بترسانة منها، وبقي لدى الحزب الكثير من قوّته ولكنه سيرقب إلى مستقبل تسليحه في حال تضييق الخناق على إمداداته.
هذا الاتفاق يتضمن بشكل صريح إذا نُفّذ انتهاء حزب الله كقوة عسكرية في لبنان ومنع أي أسلحة أو ذخيرة تدخل إليه، ولكن السؤال: هل يتم تنفيذه؟؟ والحزب يعتبر نفسه خارج المعادلة، وقد يراهن الحزب على عدم تنفيذه، تنازلات بعد تنازلات واتفاقية أخرى لا تحدد الأهداف مع وقت زمني للتطبيق، وكل هذه البنود معلقة بسلاح حزب الله، وسلاح الحزب أصبح معلقاً بتسوية إقليمية مرتبطة بورقة التفاهم الأمريكية الإيرانية، البدء بتجريد الحزب من سلاحه في محاولة للدفع إلى حرب طائفية، فهذا ليس اتفاقاً بل تحالف إسرائيلي لبناني والعرّاب ترامب هدفه تثبيت أمن إسرائيل في الجنوب اللبناني وحرب أهلية لاستنزاف الجميع.
فأي اتفاق لا يجلب الأمن لإسرائيل، وبالتالي يمكن التوقع أنه اتفاق مرحلي استعداداً لفصل جديد من المواجهات، فلا أمان لترامب ولا لنتنياهو، لو كان هذا الاتفاق يراد منه الديمومة لما زج فيه بند من البنود الخطيرة وهو البند الذي يشير بسوء نية إلى منح إسرائيل (حق الدفاع عن النفس)، وحقها في الدخول إلى لبنان وتنفيذ عمليات متى شاءت، يعتمد ذلك على الضمانات الأمريكية التي تتجاوز الاتفاق وتعطي إسرائيل مزيداً من الانتهاكات ويضمن لها حق العودة والدفاع وحق التحليق والتعاون الاستخباراتي في حال الخرق وتشخيص أي عمل يهدد أمن اسرائيل، وباعتبار أن حزب الله يسعى إلى وقف اطلاق النار ولبنان كله معني بذلك، والطرف الآخر الذي يلوح دائماً باستئناف العمليات العسكرية سيتخذ مثل هذا البند ذريعة لإعادة تأجيج الصراع اذا رأى أن التأجيج يصب في مصلحته، إسرائيل تريد فرض الأمر الواقع عبر البقاء في بعض القرى المحتلة بالشريط الأمامي ومنع عودة النازحين إلى بيوتهم وفرض التدخل الجوي، فهي لم تترك الأجواء اللبنانية، إضافة إلى الخروقات الإسرائيلية التي لم تتوقف.
حربٌ ليست كغيرها لن تنتهي إلا بفناء فريق والإبقاء على الفريق الآخر، إسرائيل تتمنى عودة الحرب ولو كانت وحدها لولا أنها تخشى أن تحارب وحدها، وتحاول فرض معادلتها الأمنية على البيئة الاستراتيجية المحيطة، وسوف تحاول تكييف المنطقة العربية وفق المعايير الإسرائيلية، وبدل أن تقوم هي بتكييف نفسها معها، تعول على أمريكا، وهذا خطأ فادح في بعض الأوقات بسبب تضارب المصالح. إسرائيل ترفض الخروج من الحزام الأمني في الجنوب إلا بتجريد حزب الله من سلاحه، وهذا لن يتحقق وستواصل ابتزازها للبنان وسورية سياسياً وعسكرياً وأمنياً والمحافظة على شريط أمني في جنوب لبنان وجنوب سورية بسيطرة مباشرة أو غير مباشرة، كما ستواصل سياسة التفتيت ودعم الأقليات واستثارة مخاوفها لخلق بنية سياسية قائمة عليها، وهذا مرتبط بالاستراتيجية الأمريكية في مرحلة ترامب وما الذي سيحمله في هذا الملف والملف الإيراني. ترامب سيكون أكثر تجاوباً مع إسرائيل سواء في إيران أو في لبنان، وهنا لا أتحدث عن العمليات العسكرية فقط، ولكن عن الأهداف الاستراتيجية وإحياء صفقة القرن وإعادة الاستيطان في غزة والضفة، وتوجيه ضربة قوية للنظام الإيراني، ولا حل في الأفق إلا بزوال إسرائيل!!