قراءة في ثقوب “الاتفاق الاطاري”:  لا يعدُّ سلاماً بل مهلة للانهيار

علي شوكت:

نشرت واشنطن عن اتفاق سياسي وأمني بين لبنان وإسرائيل في توقيت دقيق ولا غريب  أن تحمل التوقيع المعنوي لـ”رؤية ترامب” التي لا تعرف في قاموسها سوى فرض المعادلات الصعبة على الضعيف وتزيينها بعبارات “السلام والأمن الدائمين”. لكن الجديد والمثير للقلق بحسب النص الذي نشر و تناقلته وسائل الإعلام هو أن هذا الإطار التفاوضي لا يقرّب لبنان من سلام عادل بل يضعه أمام مأزق وجودي قد يكلفه وحدته الداخلية واستقراره المجتمعي. ذلك أن النص كما يبدو مليء بالثقوب السياسية والقانونية ويرمي بكامل الكرة في ملعب الدولة اللبنانية ومقاومتها وشعبها دون أن يقدم العدو الاسرائيلي أي ضمانات ذات قيمة ملموسة سواء على الصعيد السياسي أو القانوني.

أولاً: وعود والتزامات بلا توقيت وبدون جداول زمنيه.

القراءة المتأنية للبنود تكشف هفوة استراتيجية في صياغة الاتفاق إذ يلتزم الجانب اللبناني بـ”نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية” كشرط لانسحاب القوات الإسرائيلية لكن الانسحاب نفسه لم يرتبط بجدول زمني محدد وإنما بـ “آلية تحقق” أمريكية  تمنح إسرائيل عملياً حق النقض (الفيتو) على أي تقدم ميداني. فهي وحدها -وفق التفسير الإسرائيلي المتوقع- من يملك حق تقدير ما إذا كان نزع السلاح “كافياً”. مما يعني إبقاء وجود عسكري إسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية لفترة مفتوحة وتحت ذرائع متجددة.

هذا الغموض ليس ثغرة عارضة بل هو ثغرة قاتلة لأنها تمنح إسرائيل ورقة ضغط دائمة بينما تضع الجيش اللبناني في موقع المنفّذ لقرارات لا يملك حيالها خيارات  وسط متاهة من “المناطق التجريبية” التي تُفاوض عليها بالتراضي

أي بموافقة إسرائيلية ضمنية ما يعني أن التقدم سيكون مقيداً بالإرادة الإسرائيلية لا بالإرادة السيادية اللبنانية.

ثانياً: لبنان في قفص الاتهام و إسرائيل بريئة بالتعريف

البند الخامس من النص يقرأ كأنه بيان دفاع إسرائيلي أكثر منه بنداً في اتفاق سلام فهو يصف العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها “حصرياً نتيجة لهجمات حزب الله”. ويُسقط عن إسرائيل أي “أطماع إقليمية” في لبنان لكنه في المقابل لا يتضمن أي التزام إسرائيلي بعدم خرق السيادة اللبنانية مستقبلاً ولا أي اعتراف صريح بحق لبنان في استعادة كامل أراضيه المحتلة (كجزء من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) بل يمر عليها بمرور الكرام.

هذا الخلل يمنح إسرائيل شرعية “حق الدفاع عن النفس” وفق تفسيرها المنفرد في البند السابع بينما يسلب من الدولة اللبنانية أي حق في الرد على أي عدوان بحجة أن “احتكار السلاح” أصبح للدولة وحدها وأن أي مقاومة لنشاط إسرائيلي ستُعتبر خرقاً للاتفاق. ببساطة إسرائيل تحتفظ بحق الضرب ولبنان يتنازل عن حق الدفاع.

ثالثاً: الشرط الأمريكي

سيف المساعدات مسلط على رقبة الدولة اللبنانية.

البند التاسع يضع الحكومة اللبنانية أمام معادلة مستحيلة بمساعدات أمريكية مرهونة بـ”نتائج ملموسة وقابلة للتحقق” في ملف نزع السلاح.

الأمر الذي يدفع واشنطن للعب دور الرقيب الداخلي في لبنان وتوجيه أدوات الضغط الاقتصادي لدفع الجيش اللبناني لمواجهة “حزب الله” دون أن تقدم أي غطاء حقيقي لسيادة لبنان في حال انفجرت الأوضاع. وهنا يكمن الخطر الأكبر إذ تتحول المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار إلى سلاح سياسي بامتياز يُستخدم لإخضاع القرار اللبناني لا لدعم الاستقرار.

رابعاً: إنذار الداخل اللبناني ما بين عسكرة الدولة وانهيار العقد الاجتماعي

ربما يكون الخطر الأشد وطأةً بعيداً عن المناورات التفاوضية هو ما ينتظر لبنان داخلياً. فالاتفاق بهذه الصيغة يضع الفرقاء اللبنانيين أمام خيارات مصيرية مستحيلة. فهو يطلب من فريق سياسي التخلي عن أداة قوته الرئيسية (السلاح) مقابل “وعد أمريكي” و”نوايا إسرائيلية” لا قيمة سياسية أو قانونية لها وفي الوقت نفسه يطلب من الفريق الآخر الدفع باتجاه هذه المواجهة مع علمه المسبق بأنها ستدفع البلاد نحو شلل حكومي وربما اصطدام أمني.

النتيجة المتوقعة كما يشير الواقع اللبناني هي:

* تصدع سياسي حاد يعيق تشكيل الحكومة وإقرار الموازنات لأن الشرط الأمريكي سيُفسر داخلياً كخيانة للخط الوطني أو كضرورة ملحة بحسب الانتماء.

* احتمال التفلت الأمني في حال حاول الجيش اللبناني فرض نزع السلاح بقوة خصوصاً في المناطق الجنوبية والضاحية حيث الوجود الشعبي للمقاومة قوي.

* فراغ في الثقة بين الدولة والمجتمع. فالشعب اللبناني الذي يئن تحت وطأة الأزمات  سيرى في هذا الاتفاق رهاناً على الخارج مقابل تهديد السلم الأهلي لا خطة إنقاذ حقيقية للدولة.

لبنان اليوم أمام نصوص لم تكتمل عناوينها. لكن آثاره مرسومة بوضوح فالاتفاق المسرّب إن صادف طريقه إلى التطبيق العملي لن يكون بوابة سلام بقدر ما يكون مهلة زمنية لإسرائيل والولايات المتحدة لتفكيك قدرات حزب الله باستخدام العصا اللبنانية (الجيش) والجزرة الأمريكية (المال) مع إبقاء الباب مفتوحاً لعودة العدوان الإسرائيلي تحت أي ذريعة.

أما الداخل اللبناني فسيكون ساحة التجربة الكبرى والأسوأ أن ثمَن هذه التجربة سيكون السلم الأهلي والمجتمعي الذي صمد لعقود في وجه الحروب الخارجية. لكنه قد ينهار تحت وطأة انقسام سياسي تُغذيه شروط خارجية لا ترحم.

إن على القوى السياسية اللبنانية أن تنتبه جيداً قد يكون التفاوض المباشر مع إسرائيل ليس عيباً. لكن التفاوض من دون ضمانات سيادية وزمنية واضحة ومن دون معادلة متكافئةتمنح الدولة ما تأخذه من سيادة هو مغامرة قد تكلّف لبنان وحدته وهي أغلى ما يملك.

العدد 1204 - 01/07/2026