هايتي وكأس العالم.. معركة على معنى التاريخ الثوري

كريبسو ديالو *:

أُجبِر منتخب هايتي على اعتماد قمصان رياضية جديدة عشية كأس العالم 2026، بعد أن اعتبر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن تصميم القمصان ينتهك القواعد التي تحظر الرموز ذات الطابع السياسي. وأكدت شركة تصنيع الملابس الرياضية (سايتا)، المتعاقدة مع المنتخب الهايتي، أنها عملت بالتعاون مع الفيفا لضمان توافق التصميم مع المتطلبات، مشيرة إلى أنها قامت بتنفيذ التعديلات المطلوبة. وأضافت الشركة أن هدفها كان تصميم قميص يعكس أبرز اللحظات التاريخية في ذاكرة الشعب الهايتي. في البداية قامت بتطوير عدة تصورات وصقلها على مدى عدة أشهر، قبل أن تُقدَّم عبر عملية الموافقة الرسمية لدى الفيفا، التي تغيّر موقفها في اللحظات الأخيرة.

المنتخب الهايتي الذي يحمل لقب (الغرينادييرز) تيمّناً بجنود النخبة في الثورة الهايتية، أراد أن يتضمن قميصه صورة صغيرة مستوحاة من معركة فيرتيير، المعركة التي مثّلت ذروة نضال دام 13 عاماً من أجل الاستقلال، وخلّدت ما قد يكون أعظم انتصار في تاريخ تحرر البشرية. ويأتي هذا الرفض امتداداً لتاريخ طويل من معاقبة هايتي، هو تاريخ حافل بالعقوبات الاقتصادية والانقلابات العسكرية والتدخلات الأجنبية، بسبب مساهمتها التاريخية في تعزيز قيم المساواة والتحرر الإنساني. لقد وجّهت الثورة الهايتية بين عامي 1791 و 1804 ضربة كبرى للعبودية، وتفوّق العرق الأبيض، والاستعمار الأوربي. ويؤكد كثير من المؤرخين، إلى جانب الثورتين الفرنسية والبلشفية، أنه لا يوجد حدث واحد في التاريخ الحديث بأسره كانت تداعياته أكثر تهديداً للنظام العالمي من الثورة الهايتية. قبل انتفاضة المستعبدين عام 1791، كانت المستعمرة الفرنسية سان دومينغ تضم نحو 500 ألف إنسان مستعبد، وفي ذروة ازدهارها خلال خمسينيات القرن الثامن عشر، كانت (لؤلؤة الأنتيل)، كما كان يطلق عليها، توفر ما يصل إلى 50% من الناتج القومي الإجمالي لفرنسا. لكن الجماهير الهايتية ذات الأصول الإفريقية وضعت حداً لذلك عبر نضال طويل أطاح بأكثر أنظمة مزارع العبيد وحشية. بين عامي 1791 و 1804، تمكن الهايتيون من هزيمة عشرات الآلاف من الجنود الفرنسيين والبريطانيين والإسبان، ما أدى إلى أول وأكبر ثورة (عبيد) ناجحة في التاريخ قامت بتأسيس جمهورية أنشأت مجتمعاً خالياً من العبودية قبل 58 عاماً من إعلان تحرير (العبيد) في الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت الآثار للثورة الهايتية هائلة في تسريع التحولات الدولية التي أدت لاحقاً إلى قانون إلغاء تجارة العبيد البريطاني عام 1807. إضافة إلى ذلك، أثارت موجة طويلة من المقاومة عبر العالم الأطلسي، مثل تمرد ساحل لويزيانا عام 1811 في الولايات المتحدة، ومؤامرة غابرييل بروسر عام 1800 في فرجينيا، وتمرد نات ترنر عام 1831، بينما شهدت البرازيل ثورة مالِيه عام 1835 في باهيا وفي الكاريبي برزت تمردات المارون في جامايكا كحروب عصابات ضد الاستعمار البريطاني، إلى جانب انتفاضة أبانتي عام 1812 في كوبا.  في عام 1815، بعد هزائم متتالية أمام القوات الإسبانية، لجأ سيمون بوليفار إلى هايتي، حيث وجدت حركته ملاذاً آمناً في ظل حكم الرئيس الهايتي ألكسندر بيتيون. وقد حصل على دعم مباشر شمل المال والسلاح والسفن ومتطوعين. وكان هذا الدعم الهايتي نقطة تحول سمحت لبوليفار بإعادة تنظيم قواته وإطلاق حملة لوس كايّوس (Expedición de los Cayos ) عام 1816، التي شكلت البداية الفعلية لنجاحه العسكري اللاحق في فنزويلا، ومن هناك امتد أثر هذه الحملة إلى تحرير مناطق واسعة من أمريكا الجنوبية، بما في ذلك كولومبيا والإكوادور وبيرو وبوليفيا لاحقاً.

 

بعد أن انتزع الهايتيون حريتهم من العبودية والاستعمار في صراع أودى بحياة نصف السكان، أُجبروا على دفع مبلغ فلكي لسادتهم السابقين مقابل (حرّيتهم). وفي فعلٍ مذهل من الإذلال الإمبريالي، بدأت هايتي بعد عقدين من الاستقلال بدفع تعويضات ضخمة لفرنسا عن (الممتلكات المفقودة)، أي عن الأشخاص الهايتيين الذين أصبحوا أحراراً. وتحت تهديد الغزو وإعادة العبودية، وافق الرئيس الهايتي الموالي لفرنسا جان بيير بوير على دفع 150 مليون فرنك لمالكي العبيد الفرنسيين، واستغرق الأمر من هايتي 122 عاماً لسداد هذه الفدية. وقبيل الذكرى المئوية الثانية لمعركة فيرتيير واستقلال البلاد، شكّلت الحكومة الهايتية لجنة لتقدير تكلفة هذه الفدية، وقدّرتها بشكل متحفظ بـ 21 مليار دولار. وطالبت حكومة الرئيس الاشتراكي جان-برتران أريستيد بإعادة هذه الأموال وبدأت إجراءات قانونية لإجبار باريس على الدفع. وكان هذا المطلب أحد أسباب مساهمة فرنسا، إلى جانب كندا والولايات المتحدة، في الإطاحة بأريستيد عام 2004، لتقوم حكومة الانقلاب لاحقاً بإسقاط القضية.

إن بلداً وُلد من الثورة الوحيدة الناجحة واسعة النطاق للعبيد في التاريخ، ينبغي أن يُسمح له بتخليد نضالٍ أسهم بعمق في ترسيخ قيم المساواة الإنسانية على قميصه الكروي. إن مطالبة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لمنتخب (الغرينادييرز) بإزالة أي إحياء لهذا التاريخ تمثل موقفاً مُشيناً وغير مبرّر.

عن (تقدم)

 

* مترجم وباحث في العلوم السياسية المتعلقة بالشأن الإفريقي. كاتب في العديد من المجلات والصحف الإفريقية. شارك في طبعات مترجمة باللغتين العربية والإنجليزية في عدة مراكز بحثية بإفريقيا.

العدد 1202 - 17/06/2026