زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية.. خلف السجادة الحمراء

في الثامن من يونيو، هبطت الطائرة التي تقل الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته في بيونغ يانغ، مسجلةً بذلك علامة فارقة في العلاقات بين البلدين. لم تكن هذه الزيارة الأولى للرئيس شي في عام 2026 فحسب، بل كانت أيضاً أول زيارة دولة يقوم بها زعيم صيني إلى كوريا الشمالية منذ سبع سنوات.

لكن أهمية الزيارة تتجاوز تلك المحطات الهامة. فزيارة شي جين بينغ تأتي بعد أسابيع قليلة من استضافته الرئيس دونالد ترامب والرئيس فلاديمير بوتين في بكين في مايو الماضي.

يرى مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية (CSIS) الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، أنه مع تلميح البيت الأبيض إلى استئناف الحوار مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، والعديد من التطورات الإقليمية مثل جهود اليابان لتعزيز قدراتها الدفاعية أو إمكانية التعاون في مجال النقل العسكري بين طوكيو وسيول، تشعر بكين بأنها بحاجة إلى التحرك.

علّق ويليام يانغ، كبير المحللين لشؤون شمال شرق آسيا في مجموعة الأزمات العالمية (الولايات المتحدة الأمريكية)، قائلاً: (من المهم أن نتذكر أن شي جين بينغ نادراً ما يسافر، ويستقبل في المقام الأول القادة الأجانب في بكين. ولذلك، فإن زيارة شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ تُظهر أن الصين تولي أهمية خاصة لعلاقتها مع كوريا الشمالية).

كان المضيفون على دراية تامة بذلك، وأبدوا الاحترام اللائق: وكان ظهور كيم جونغ أون وزوجته على السجادة الحمراء في المطار دليلاً واضحاً على ذلك. وخلال الزيارة، زار الزعيمان مدرسة تدريب الكوادر رفيعة المستوى التابعة لحزب العمال الكوري، وغرسا معاً شجرة صنوبر، رمزاً لعلاقتهما المتينة.

كما زار الجانبان قصر الصداقة، الذي يخلد ذكرى الجنود الصينيين الذين لقوا حتفهم في الحرب الكورية (1950-1953)، وهي خطوة تعتبر بمثابة تذكير بماضٍ قاتل فيه البلدان جنباً إلى جنب ضد الولايات المتحدة.

 

تعزيز الروابط القديمة

الأهم من ذلك، أن الذكرى الخامسة والستين لتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة بين الصين وكوريا الشمالية تُمثل فرصةً فريدةً للجانبين لتشكيل وتعميق العلاقات الثنائية في هذا السياق الجديد. وفيما يتعلق بالأمن والشؤون الخارجية، يلتزم الجانبان بتعزيز التبادلات عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية.

سعى الزعيمان الصيني والكوري الشمالي أيضاً إلى توسيع التعاون من خلال إعادة فتح المعابر الحدودية واستئناف التجارة وخطوط النقل بالسكك الحديدية بعد الاضطرابات التي سببتها جائحة كوفيد-19. كما أكد الرئيس كيم جونغ أون مجدداً دعم بيونغ يانغ الثابت لمبدأ (الصين الواحدة) فيما يتعلق بتايوان.

اختُتمت القمة ببيان مشترك أشادت به وكالة الأنباء المركزية الكورية باعتباره (خطة طويلة الأمد) للعلاقات الثنائية. وتعهد الزعيمان بالارتقاء بالصداقة التقليدية إلى (نموذج لعلاقات استراتيجية قوية رفيعة المستوى).

من المثير للاهتمام أن القدرات النووية لكوريا الشمالية، التي تُثير قلقاً بالغاً لدى المجتمع الدولي، يبدو أنها غُفل عنها (عن غير قصد) من كلا الجانبين. ففي الشهر الماضي فقط، أعلن البيت الأبيض أن شي جين بينغ وترامب اتفقا على العمل من أجل نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية. ومع ذلك، لم تُشر البيانات الصحفية الصادرة عن وكالة أنباء شينخوا (الصين) ووكالة الأنباء المركزية الكورية (كوريا الشمالية) إلى هذه المسألة. ويتناقض هذا بشكل حاد مع ما حدث خلال زيارة شي جين بينغ عام 2019، عندما تعهد الرئيس الصيني بلعب دور فاعل في نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.

 

تأثير إعادة التأكيد

يبدو أن الصين، من خلال هذه الزيارة، تسعى إلى ترسيخ مكانتها كشريك استراتيجي رئيسي لكوريا الشمالية، لا سيما في ضوء التطورات الهامة الأخيرة في العلاقات الروسية الكورية الشمالية. في المقابل، تُظهر الزيارة أن العلاقات مع الصين لا تزال تلعب دوراً حاسماً في حسابات السياسة الخارجية لكوريا الشمالية، خاصةً مع تزايد الضغوط الخارجية التي تواجهها البلاد.

وفي تعليقها على نتائج الزيارة، قالت لي هو ريونغ، الخبيرة في المعهد الكوري لتحليل الدفاع، إنها مهتمة بما لم يُذكر في اجتماع الزعيمين. وتعتقد الخبيرة أن صمت بكين يُعدّ قبولاً ضمنياً لامتلاك بيونغ يانغ أسلحة نووية.

ومع ذلك، يجادل بعض الخبراء بأن مجرد عدم ذكر القضية النووية علناً لا يُعد أساساً كافياً للاستنتاج بأن الصين قد غيرت موقفها الرسمي، ذلك أن بكين لطالما دعمت هدف نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.

في غضون ذلك، قيّم هونغ مين، الخبير في معهد التوحيد الوطني الكوري، الاجتماع بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون كدليل واضح على المصالح المشتركة بين البلدين: فهو يعكس (رغبة كوريا الشمالية، بقدراتها النووية، في تأكيد موقعها الاستراتيجي)، إلى جانب (عزمها على توسيع وتشكيل النظام في شمال شرق آسيا).

وأشارت أيضاً إلى أن الصين، من خلال زيادة التبادلات عبر القنوات الدفاعية، تهدف إلى (تقييم التغيرات التكنولوجية في الجيش الكوري الشمالي ونقل التكنولوجيا من روسيا بشكل مباشر). ومع ذلك، لا يعني هذا أن بكين وموسكو تتنافسان بشكل مباشر في كوريا الشمالية، نظراً لأن العلاقات الصينية الروسية لا تزال على مستوى عالٍ.

في نهاية المطاف، وراء المراسم الرسمية والأنشطة الرمزية، تعكس زيارة شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ رغبة الصين في تعزيز العلاقات مع كوريا الشمالية، وبالتالي توطيد دور بكين ونفوذها في مسائل الأمن الإقليمي وإعادة تأكيد موقف الصين في شمال شرق آسيا وسط بيئة استراتيجية متغيرة.

بالنسبة لبيونغ يانغ، لا يزال الحفاظ على علاقات مستقرة مع بكين أحد العوامل الرئيسية في مساعدة البلاد على مواجهة الضغوط الخارجية والسعي لتحقيق أهدافها التنموية والأمنية.

 

العدد 1202 - 17/06/2026