يوميات سوري في 2026.. حين يصبح البقاء هو الخيار الوحيد
سليمان أمين:
في سورية عام 2026، لم تعد الحياة اليومية تُقاس بالخطط أو الطموحات، بل بسلسلة من القرارات الصغيرة التي تحدد القدرة على الاستمرار يوماً إضافياً. في بلدٍ أنهكته سنوات من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية، باتت اليوميات مرآة مكثفة لأزمة مركبة تتداخل فيها العوامل المحلية مع التحولات الإقليمية والدولية. لم يعد السؤال: كيف يعيش السوري؟ بل: كيف ينجو؟
تبدأ القصة من الاقتصاد، إذ لم تعد المؤشرات الكلية تعكس الواقع المعيشي بقدر ما تخفيه. في ظل تضخم مرتفع وتراجع مستمر في قيمة العملة، أصبحت الأجور شبه منفصلة عن تكاليف الحياة. لم يعد العمل، حتى في القطاع الرسمي، ضمانة لتأمين الاحتياجات الأساسية. هذا الانفصال بين الدخل والإنفاق دفع الأفراد إلى تبني استراتيجيات بقاء معقدة، تشمل العمل في أكثر من وظيفة، والاعتماد على شبكات الدعم العائلية، والتحويلات الخارجية.
غير أن هذه الاستراتيجيات ليست متاحة للجميع بالتساوي. فالفوارق الاجتماعية تتعمق مع الوقت، فتتمكن بعض الأسر من الصمود بفضل موارد خارجية، بينما تنزلق أخرى نحو مستويات متزايدة من الهشاشة. هذا التباين يعيد تشكيل البنية الاجتماعية، مفرزاً طبقات جديدة لا تقوم على الملكية أو التعليم، بل على القدرة على الوصول إلى مصادر دخل بديلة. وهنا، يتحول الاقتصاد من فضاء للإنتاج إلى ساحة لإدارة الندرة.
في هذا السياق، يتغير معنى العمل ذاته. لم يعد العمل مرتبطاً بالاستقرار أو التقدم المهني، بل أصبح أداة مرنة لتأمين الحد الأدنى من البقاء. الوظائف المؤقتة، والعمل غير الرسمي، والأنشطة الهامشية، باتت تشكل جزءاً أساسياً من الاقتصاد اليومي. هذا التحول لا يعكس فقط أزمة في سوق العمل، بل يشير إلى تفكك العلاقة التقليدية بين الفرد والدولة، حيث تتراجع قدرة المؤسسات على توفير الحماية أو التنظيم.
اجتماعياً، تفرض هذه التحولات إيقاعاً جديداً للحياة. الأسرة، التي كانت تشكل وحدة دعم تقليدية، تتحول إلى شبكة أمان اقتصادية تتوزع فيها الأدوار بشكل غير مسبوق. الأطفال قد يساهمون في الدخل، والنساء يدخلن سوق العمل بأعداد متزايدة، وكبار السن يعتمدون على دعم أبنائهم أو أقاربهم في الخارج. هذا التداخل في الأدوار يعكس مرونة اجتماعية، لكنه في الوقت ذاته يضع ضغوطاً إضافية على النسيج الأسري.
كما تتغير أنماط الاستهلاك بشكل ملحوظ. لم يعد الإنفاق موجهاً نحو تحسين جودة الحياة، بل نحو الحفاظ عليها. الغذاء، الطاقة، والرعاية الصحية، تصبح أولويات مطلقة، بينما تتراجع النفقات الأخرى إلى الحد الأدنى. هذا الترشيد القسري لا يعكس فقط ضيق الموارد، بل يعيد تعريف مفهوم (الحياة الطبيعية)، حيث تصبح الرفاهية مفهوماً بعيد المنال.
من زاوية نفسية، تترك هذه الظروف آثاراً عميقة على الأفراد. العيش في حالة من عدم اليقين المستمر يولد شعوراً دائماً بالهشاشة، حيث لا يمكن التنبؤ بالمستقبل حتى على المدى القصير. هذا الواقع يعزز ما يمكن تسميته بـ(عقلية البقاء)، فيركز الأفراد على الحاضر بشكل مكثف، على حساب التخطيط طويل الأمد. في مثل هذه البيئة، يصبح الادخار أو الاستثمار مفاهيم شبه غائبة، لتحل محلها استراتيجيات آنية تضمن الاستمرار.
غير أن هذا التركيز على البقاء لا يعني غياب الطموح، بل إعادة تشكيله. فبدلاً من الأهداف الكبرى، يسعى الأفراد إلى تحقيق إنجازات صغيرة لكنها ذات معنى: تأمين وجبة يومية، دفع تكاليف التعليم، أو الحفاظ على استقرار نسبي للأسرة. هذه الإنجازات، وإن بدت محدودة، تمثل في سياقها إنجازات حقيقية تعكس قدرة على التكيف.
على المستوى الجيوسياسي، لا يمكن فصل هذه اليوميات عن السياق الأوسع. فالتطورات الإقليمية، والتحولات في العلاقات الدولية، والعقوبات الاقتصادية، كلها تلعب دوراً في تشكيل الواقع الداخلي. الاقتصاد السوري، في هذا الإطار، لا يعمل بمعزل عن محيطه، بل يتأثر بشكل مباشر بتقلبات السياسة الدولية. هذا التداخل يحد من قدرة الفاعلين المحليين على التحكم بمصيرهم، ويجعل من البقاء مسألة تتجاوز الحدود الوطنية.
كما أن غياب أفق واضح للتعافي يساهم في ترسيخ حالة الانتظار. فبينما تتحدث بعض الخطابات عن إعادة الإعمار أو التحسن التدريجي، لا يلمس كثير من السوريين تغيراً ملموساً في حياتهم اليومية. هذا التباين بين الخطاب والواقع يعزز الشعور بعدم الثقة، ويدفع الأفراد إلى الاعتماد بشكل أكبر على استراتيجياتهم الذاتية.
في هذا السياق، تبرز مسألة الكرامة بشكل غير مباشر. فحين يصبح البقاء هو الهدف الأساسي، تتراجع الاعتبارات الأخرى إلى الخلفية. غير أن الكرامة لا تختفي، بل تتجلى في تفاصيل صغيرة: في رفض بعض الخيارات رغم صعوبتها، في الحفاظ على معايير معينة، أو في السعي لتأمين حياة أفضل للأبناء. هذه الممارسات تعكس أن البقاء، رغم مركزيته، ليس منفصلاً تماماً عن القيم.
من منظور تحليلي، يمكن القول إن الحالة السورية تمثل مثالاً على كيفية تحول الأزمات الممتدة إلى أنماط حياة. فبدلاً من كونها حالة استثنائية، تصبح الأزمة إطاراً دائماً يُعاد ضمنه تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. هذا التحول يطرح تحديات كبيرة، ليس فقط على مستوى السياسات، بل أيضاً على مستوى الفهم. إذ يتطلب الأمر مقاربة تأخذ في الاعتبار التعقيد والتداخل بين العوامل المختلفة.
في النهاية، تكشف يوميات السوري في 2026 عن حقيقة بسيطة لكنها عميقة: حين تضيق الخيارات، يصبح البقاء بحد ذاته خياراً. غير أن هذا الخيار ليس سلبياً بالكامل، بل ينطوي على قدر من الفعل والمرونة. فبين القيود والضرورات، يستمر الأفراد في إعادة تشكيل حياتهم، مستندين إلى موارد محدودة لكن بإرادة لا يمكن اختزالها. وبينما يبقى المستقبل غامضاً، تظل القدرة على الاستمرار هي الإنجاز الأهم في واقع لا يمنح الكثير من البدائل.