ذكرى ميلاد كارل ماركس.. الفيلسوف الألماني والعالم والمفكر الاقتصادي والاجتماعي

د. نديم دندن:

تحتفل البشرية التقدمية وكل الرأي العام المستنير في العالم، في أوائل أيار من كل عام، بذكرى ميلاد أعظم المفكرين في العالم، باعتراف أعداء ماركس والماركسية اللينينية، مما يؤكد حيويتها ومنهجها الناقد للرأسمالية، التي تعمقت أزماتها في هذا الوقت بأكثر من أي وقت مضى. وقد قال عنه رفيق دربه وصديقه أنجلز، في خطاب على قبره عندما توفي عام ١٨٨٣: (مثلما اكتشف دارون قانون تطور الكائنات العضوية بالانتقاء الطبيعي، اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري).

إن نظرية ماركس المعروفة بأنها فسرت تطور المجتمعات البشرية من خلال الصراع الطبقي ضمن نمط الإنتاج الرأسمالي، وهذا الصراع يتجلى بين الطبقات البرجوازية الحاكمة والمالكة لوسائل الإنتاج من جهة، والطبقات العاملة المعروفة باسم البروليتاريا، وهي الطبقات التي تبيع قوة عملها من خلال عائد الأجور وتمكين وسائل الإنتاج. استخدم ماركس منهج المادية التاريخية النقدي ليتنبأ بأن الرأسمالية ستنتج توترات داخلية في النظم الاجتماعية والاقتصادية، ما سيؤدي لتدميرها ذاتياً واستبدالها بنظام يعرف بنمط الإنتاج الاشتراكي، ورأى أنها تفرز أزمات نتيجة عدم استقرارها الجزئي، وهذا من شأنه أن يؤدي لوصول الطبقة العاملة إلى مرحلة الوعي الطبقي ما يدفعها إلى الثورة للاستيلاء على السلطة السياسية، وفي نهاية المطاف الوصول إلى المجتمع الشيوعي بلا طبقات ومكون من الارتباط الحر بين المنتجين. وهذا ما ناضل من أجله ماركس من أجل تنفيذ مبادئه، لكي تقوم الطبقة العاملة بعمل ثوري لإسقاط الرأسمالية وتحقيق التحرر الاجتماعي والاقتصادي.

وكان ماركس قد أسس جمعية العمال الألمان لمحاولة توحيد صفوف الحركة العمالية في أوربا، وعمل مع صديقه إنجلز على صياغة بيان الحزب الشيوعي بتكليف من المؤتمر الثاني للرابطة الشيوعية الذي عقد بلندن نهاية تشرين الثاني عام ١٨٤٧. وكتب العديد من المؤلفات وأهمها رأس المال.. وفي هذا الكتاب عمد إلى نقد نظريات الاقتصاد السياسي السائدة قبله، وإلى دراسة النمط الرأسمالي في الإنتاج بشكل عميق بهدف اكتشاف القوانين الاقتصادية التي تحكم حركة المجتمع المعاصر. ومن مؤلفاته أيضاً (نظريات فائض القيمة)، و(بيان الحزب الشيوعي)، و(بؤس الفلسفة).. وغيرها.

والجدير بالذكر ما نشاهده اليوم في هذه الظروف التي تفاقمت فيها أزمة الإمبريالية في سيطرة الصهيونية الرأسمالية الأمريكية (الإمبريالية المتوحشة) التي أصبحت أكثر هجومية بهدف نهب الموارد، كما حدث في فنزويلا واختطاف رئيسها، والهجوم على إيران بهدف السيطرة على النفط والغاز، والتهديد بغزو كوبا، وزيادة ميزانية التسلح والحروب على حساب حاجات المواطنين الأساسية.. والانسحاب من الاتفاقات الدولية.

وفي هذه الظروف التي تعيشها الطبقات البروليتارية بسبب انخفاض مستوى المعيشة حتى الفقر مع ارتفاع الأسعار بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتدمير غزة وإفقار وتشريد شعبها كما الحرب على جنوب لبنان لاحتلال الأرض وإضعاف المقاومة اللبنانية.. مع اشتداد حدة الصراع بين الدول الرأسمالية الكبرى لنهب الثروات والأراضي والمعادن في إفريقيا ومنها السودان.

لقد حدثت تطورات فلسفية وعلمية تناولها المفكرون الماركسيون اللينينيون بالدراسة والتحليل، بعد سقوط تجربة النظم الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوربا، إلا أن الماركسية اللينينية مازالت تحتفظ ببريقها وصحتها، إن مجمل النشاط الفكري والعملي العلمي لماركس ومن بعده لينين وغيرهم شكل نظرية علمية رائدة وقمة من قمم التراث الإنساني، وهي نظرية حية وفاعلة ومرشد للعمل وتفعل فعلها حتى اليوم، وستستمر مستقبلاً لزمن طويل، وعلى الشيوعيين أن يستوعبوا الماركسية اللينينية جيداً،وأن يدركوا محتواها وإطارها، وأن يحددوا بالدقة مفهومها، ومغزاها، ومراميها، وأن يحاربوا من يشوهونها، ويسيئون إليها، من التيارات العدمية والنصوصية المنحرفة، وعليهم أن يعملوا على تطويرها وفق الشروط الجديدة، بما يتوافق مع العصر، وإنجازات العلوم، والظروف الاجتماعية المستجدة، وهو أمر ضروري من أجل استعادة الحركة الشيوعية لدورها التاريخي.

وبناءً على حيوية النظرية الماركسية اللينينية، يتخوف الرأسماليون من نهوض أقوى للحركة الشيوعية والماركسية اللينينية، بعد تحريرها من الجمود العقائدي والبيروقراطية، وبعد الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي يشهدها النظام الرأسمالي العالمي ووصوله إلى الإمبريالية (أعلى مراحل الرأسمالية) كما درسها لينين.. وعلى جميع من يستخدم المنهج الماركسي اللينيني نفسه تقييم تجاربهم واستخلاص الدروس من الأخطاء والاستفادة منها في قيام نماذج اشتراكية حسب الظروف الموضوعية لكل بلد، كما أوصى لينين قبل وفاته، لتكون أكثر ثورية ومنظمة وواعية وأكثر عدالة وديمقراطية وأكثر إنسانية.

 

العدد 1200 - 27/05/2026