كلمات حول الفساد

يونس كامل صالح:

إن الفساد على المستوى الرسمي أي سوء استخدام السلطة العامة لتحقيق ربح خاص أو مكسب سياسي، يمثل خطراً على الاقتصاد المحلي والعالمي، وعلى الاستثمار والتجارة، وتهديداً للديمقراطية والتنمية، كما يمثل بتواطئه مع الجريمة خطراً على الأمن الوطني، وإمكانية الازدهار والأمان العامة. ولا توجد قضية من قضايا السياسة سواء كانت خارجية أو داخلية تؤثر على المجتمع أكثر من هذه القضية. ومع ذلك فهناك القليل من هذه القضايا لم يحظ سوى بالقليل من انتباه مجتمع السياسة واهتمامه، وربما ثورة في الرأي العام يمكن أن تقود إلى تشكيل هذه القضية وحياتها. فسوء الإدارة في عملية الحكم قد تجاوزت الحد في الكثير من بقع العالم.

ونتيجة لذلك بدا أن الاحتجاج الشعبي ضد الفساد إلى حد ما يؤثر بصانعي القرار، لأنه أخذ يؤثر بصورة واضحة على الأمن والاستقرار في العالم، لقد أصبحت عمليات الفساد وغسيل الأموال وتهريب المخدرات محط اهتمام المنظمات الاقتصادية الدولية، لأن المخاطر في يومنا الحالي تنبع بالدرجة الأولى من تجارة المخدرات وعمليات التهريب والجريمة المنظمة والرشوة. إن عمليات الفساد ترعى منظمات الجريمة المحلية، وتساعد على تحويل شركاء أساسيين في مجال التجارة إلى دول مصدرة للجريمة، وإن ما تثيره الثورة التكنولوجية والعولمة من اضطراب اجتماعي يضع المؤسسات الاقتصادية والسياسية تحت الاختبار الدقيق المشوب بالريبة وعدم الثقة، ومع سقوط الحواجز أمام الاستثمار والتجارة أدى التقدم التكنولوجي وتضاعف المنافسة إلى تسريح العمال، وشغل الفرد لوظيفتين، إلى جانب الزيادة في الإنتاجية والأرباح. إن المناخ الذي يوفر أوقاتاً عصيبة للبعض وأوقاتاً مزهرة للبعض الآخر لم يسفر عن فجوة في الأجور فحسب بل في المصداقية أيضاً، مما أتاح إفراطاً لا يطاق في سهولة استقطاع كبار الموظفين للأموال، وبالتالي أخذت تحرز قضية الفساد دائرة أنصار كبرى في الكثير من البلدان، وخصوصاً في البلدان النامية التي لا تزال تتصف بالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والأعراف التقليدية والإرثية. وإن عمليات التبادل في تلك المجتمعات- تبادل العطايا والمحاباة ومعاملة المنصب العام باعتباره ملكية شخصية- قد دخلت إلى منطقة انحطاط مع ترنح هذه المجتمعات نحو الحداثة.

إن ما يعد مألوفاً في تلك المجتمعات المتخلفة والتقليدية، يمكن اعتباره موضوعاً للعقاب والفضيحة في البلدان الحديثة. ففي غالبية البلدان المتقدمة يظل الفساد إذا اكتشف انتهاكاً لقواعد اللعبة، أما كثير من البلدان النامية فإن اللعبة نفسها تبقى- حيث ممارسة الفساد مستمرة، وتحتل تلك البلدان مركز الصدارة في هذا المجال. والفساد فيها هو جريمة لا شك، ولكنها تتم بالتراضي المتبادل- فعادةً ما لا تكون مدونة أو مبلغاً عنها. ولكن بيانات غير كاملة من البلدان النامية تؤكد الانطباع واسع الانتشار بشأن زيادة معدل ممارسة الفساد وهناك إحصاءات كثيرة تشير الى تفشي الفساد في معظم البلدان النامية، وهو أي الفساد يتسبب في بناء مبان وجسور غير آمنة وفي تلويث المياه والهواء وفي إهمال الحكومات وتهاونها وتشكلها من موظفين عير أكفاء. وبالتالي فهو يقوض الثقة في الحكومات، ويغذي عدم الثقة المتبادلة بين المواطنين والمستثمرين، كما يدمر أخلاقيات العمل، ويعتبر المنصب العام طريقاً للثراء، وتبدو المشاريع الإنتاجية محفوفة بالمخاطر. وتوضح الدراسات أن الممارسات الفاسدة لا تؤدي إلى مضاعفة الثمن الذي تدفعه البلدان النامية للسلع والخدمات فحسب، ولكنها تخيف أيضاً المستثمرين. وتؤدي عمليات الرشوة والكسب غير المشروع في بعض هذه البلدان إلى غسيل الأموال القذرة، حيث اتخذت هذه العملية طابعاً واسعاً. ولمقاومة هذه الظاهرة نجد أن المحاسبة الأفقية والشاقولية هي ضرورية ولا غنى عنها. وفي هذا المجال يمكن التأكيد أنها لن تكون نزيهة إذا لم يكن هناك هيئات تشريعية وهيئات قضائية مستقلة ومساندة من جانب المجتمع. وتوضح هذه المسألة أهمية نشأة الحركات المعادية للفساد، لما لذلك من إمكانية القيام بعمليات المراقبة من قبل المجتمع. كما أن معاداة الفساد تتسم بأهمية جوهرية بالنسبة للديمقراطية. إن المعركة اليوم من أجل التنمية والديمقراطية يمكن خوضها من خلال الحملة المعادية لممارسات الفساد. وأخيراً يمكن التأكيد أن أي إصلاحات معادية للفساد ستبقى حروفاً ميتة ما لم يبدأ المسؤولون أنفسهم في تنفيذها. ومن هنا تظهر أهمية الضغوط الشعبية التي يمكن أن تؤدي إلى رافعة جدية معادية للفساد.

 

 

العدد 1200 - 27/05/2026