الشرق الأوسط بين الهيمنة الإمبريالية والأوليغارشية المحلية وانسداد الأفق الوطني   

إبراهيم الحامد :

يعيش الشرق الأوسط اليوم تحت الهيمنة الإمبريالية الأمريكية المتوحشة والأوليغارشية المحلية التي تكونت في ظل الاستبداد ووقع الحروب الأهلية، وانسداد الأفق الوطني الجامع، والمترافق مع المراهقة السياسية والإعلامية.

وتشهد دوله اليوم تحوّلات عميقة، تعبّر عن أزمة تاريخية بنيوية في تشكّل الدولة والمجتمع. هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، ولا يمكن اختزالها في صراعات داخلية أو (فشل ثقافي)، بل هي نتاج مباشر لإدماج المنطقة القسري في النظام الرأسمالي العالمي بوصفها فضاءً تابعاً، خاضعاً للهيمنة الإمبريالية وإعادة إنتاج التخلف البنيوي.

مايجري اليوم ليس قطيعة مع الماضي، بل استمرارية لمسار بدأ مع تفكيك الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، حين أُعيد رسم خرائط المنطقة على قاعدة المصالح الاستعمارية، لا على أساس وحدة المجتمعات أو حق الشعوب في تقرير مصيرها. ومنذ ذلك الحين، جرى بناء دول هشة، قائمة على القسر لا الرضا، وعلى الإقصاء لا قبول الآخر.

وعندما اندلعت الانتفاضات الشعبية في الدول العربية، كانت في جوهرها انتفاضات اجتماعية ضد الفقر والاستبداد والتهميش. غير أن غياب تنظيم طبقي مستقل، وتدمير اليسار على مدى عقود، سمح بتحويل مسارها نحو العسكرة والطائفية، وفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الإقليمية والإمبريالية.

وفي خضم هذا الخراب، دافعت الأنظمة لا عن الدولة بوصفها ملكاً عاماً للشعب، بل عن امتيازاتها الطبقية، ولو على حساب تدمير المجتمع نفسه.

وهذا ما يكشف عن أزمة الدولة القومية التي تكمن في تبعيتها بنيوياً، وإنكارها للتعددية القومية.

لقد تأسست الدول الحديثة بوصفها دولاً قومية شكلية، تخدم مصالح البرجوازيات المحلية التابعة، لا مصالح الطبقات الشعبية، فبدل أن تكون إطاراً ديمقراطياً جامعاً للتنوّع القومي والثقافي، تحوّلت إلى أداة لفرض هوية واحدة بالقوة، وقمع كل تعبير مختلف، قومي أو لغوي أو ديني. ففي هذا السياق، لم يكن إنكار وجود الشعب الكردي، ولا سياسات التعريب والتتريك والتهميش بحقه، ولا حرمانه من الحقوق السياسية والثقافية، أخطاء عرضية، بل جزءاً بنيوياً من مشروع الدولة القومية البرجوازية التابعة.

إن القمع الديني والقومي كان ولا يزال، أدوات مركزية لضبط الصراع الطبقي، عبر تقسيم الطبقات الشعبية على أسس هوياتية وطائفية، ومنع تشكّل وعي طبقي عابر للقوميات والطوائف، لذا كانت قضية الشعب الكردي، هي قضية تحرر قومي-اجتماعي، فالقضية الكردية تشكل واحدة من أقدم وأعمق القضايا القومية غير المحلولة في الشرق الأوسط. فمنذ اتفاقيات سايكس–بيكو ولاحقاً معاهدة لوزان، جرى تقسيم الشعب الكردي قسراً بين أربع دول، وحرمانه من حقه في تقرير مصيره. وقد ارتبط هذا التقسيم تاريخياً بوظيفة واضحة: منع نشوء كيان سياسي كردي مستقل قد يهدّد توازنات الهيمنة الإمبريالية، ويكسر منظومة الدول التابعة في المنطقة. فمن المنظور الماركسي، لا يمكن التعامل مع القضية الكردية بوصفها (مسألة ثقافية) أو (مطلباً إدارياً) فحسب، بل باعتبارها قضية تحرّر قومي مرتبطة عضوياً بالتحرّر الاجتماعي. فاضطهاد الكرد لم يكن قومياً فقط، بل طبقياً أيضاً، إذ تركز التهميش الاقتصادي، والإفقار، وتدمير البنى الإنتاجية في المناطق الكردية، بما جعلها خزّاناً للعمالة الرخيصة والهجرة القسرية. لذا إن أي مشروع يساري حقيقي يفشل في الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره – بما في ذلك حقه في اختيار شكل علاقته بالدولة المركزية – هو مشروع محكوم بإعادة إنتاج الاستبداد، حتى لو رفع شعارات تقدمية.

وفي سياق ما تقدم، يمكن القول إن أزمة الدولة القومية في سورية والعراق وإيران وتركيا لا تقتصرعلى المسألة الكردية وحدها، بل تمتد إلى مجمل القوميات غير المهيمنة، وفي مقدمتها الشعب الكلدو–آشوري–السرياني، الذي تعرّض، تاريخياً وحديثاً، لسياسات تهميش وإقصاء ممنهجة، وصلت في مراحل عديدة إلى حدّ الإبادة والتهجير القسري، ولقد جرى التعامل مع هذا الشعب العريق بوصفه (أقلية دينية) لا قومية، في عملية اختزال متعمدة تهدف إلى إنكار حقوقه اللغوية والثقافية والاجتماعية، وفصله عن جذوره التاريخية في هذه الأرض، ومع صعود الإسلام السياسي والحروب الطائفية، كان الكلدو–آشوري–السرياني من أكثر الفئات تضرراً، فقد دُمّرت قراه، وهُجّر أبناؤه، وتآكل حضوره الديمغرافي بشكل خطير.

إن الاعتراف بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية لهذا الشعب- من تعليم لغته، وحماية تراثه، وضمان تمثيله السياسي، وتأمين شروط بقائه على أرضه – ليس مسألة (تنوّع) أو (تسامح)، بل شرط أساسي لبناء دولة ديمقراطية حقيقية، قادرة على تجاوز منطق الأكثرية القسرية.

في مسار العلاقة الجدلية بين الإمبريالية وتفكيك الصراع الطبقي ومن المنظور الماركسي، لا يمكن فهم صعود القومية الرسمية أو الإسلام السياسي بمعزل عن دورهما الوظيفي في إجهاض الصراع الطبقي. فقد جرى استخدام هذه الأيديولوجيات كأدوات لإعادة توجيه غضب الطبقات الشعبية بعيداً عن الاستغلال الاقتصادي، نحو صراعات هوياتية تُدار وتُستثمر من قبل القوى الإمبريالية، ومع الهيمنة الإمبريالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وبلوغها لمرحلة التوحش والتفرد بالعالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، لقد أُعيد إنتاج النمط الإمبريالي المتوحش من خلال دعم الأنظمة القومية البرجوازيه السلطوية والقمعية، والتي دجنت الحركة العمالية والنقابية تحت سلطاتها، ووظفت الدين والسياسة الهوياتية كسلاح ضد اليسار، وكانت النتيجة تفكيك المجتمع، وتجريد الجماهير من أدواتها التنظيمية، وتحويل الدولة إلى جهاز يخدم تحالف السلطة ورأس المال.

وما يُسمّى اليوم (الشرق الأوسط الجديد) ليس مشروع استقرار، بل آلية لإدارة التفكك. تُدار الصراعات بدل حلّها، وتُغذّى الانقسامات القومية والمذهبية لمنع تشكّل بديل وطني ديمقراطي، ولإبقاء المنطقة في حالة تبعية دائمة.

إن البديل للخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكون إلا عبر مشروع تحرّر وطني ديمقراطي ذي مضمون طبقي واضح، يقوم على:

دولة مدنية ديمقراطية علمانية بنظام فدرالي أو لا مركزي ذات سيادة كاملة.

اقتصاد وطني منتج يضع العدالة الاجتماعية في مركزه.

منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في بناء دولته المستقلة، والاعتراف الدولي الكامل بالتعدد القومي، وفي مقدّمته حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وضمان الحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية للشعب الكلدو–آشوري–السرياني ولسائر القوميات.

إعادة بناء الحركة العمالية والتنظيم الطبقي المستقل.

إن مستقبل دول شرق الأوسط اليوم لن يُصاغ في غرف القوى الإمبريالية، بل في قدرة الطبقات الشعبية، بكل تنوّعها القومي والثقافي، على بناء بديل يساري ديمقراطي، يعيد وصل التحرّر القومي بالتحرّر الاجتماعي والتحرر الوطني، ويضع حداً لدورات القمع والخراب.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحّة أكثر لإطلاق مسار تعاون سياسي شامل بين دول شرق الأوسط، يقوم على الحوار، والاعتراف المتبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخلية فيما بينهم.

العدد 1191 - 18/03/2026