ليست مؤشرات البطالة وحدها هي التي تدق أجراس الإنذار
يونس كامل صالح:
ليست مؤشرات البطالة في البلدان العربية وحدها هي التي تدق أجراس الإنذار مما وصلت إليه أزمة التعليم فيها، فهناك مخرجات سلبية للعملية التعليمية تتمثل في ضخ موجات من ضعاف التأهيل للانخراط في نشاطات المجتمع في تلك البلدان. وهؤلاء لا يتوقف دورهم السلبي على أداء متدن في المواقع التي يلتحقون للعمل بها، بل الأخطر أنهم يشكلون بداية دائرة مدمرة عندما يتحولون بحكم مواقعهم إلى معلمين ومدربين لأجيال جديدة تليهم، سواء في مؤسسات التعليم المختلفة، أو مرافق الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها. فالمعلم السيّئ ينتج طلاباً أسوأ، والمهندس الضعيف ينشئ فنيين أضعف، والطبيب الجاهل يقتل الناس بسرعة أو ببطء تبعاً لتخصصه وملابسات عمله. وهذه البدايات الرديئة تظل تتفاعل حتى تدور الدوائر على المجتمعات ككل. وتتفشى القيم السلبية في العمل والسلوك من عدم الإتقان إلى تزوير الجودة، ومن ثم الكذب وكل ما يلي الكذب من تشوهات بشرية. وعندما تنتشر تشوهات الأداء الفردي تتبلور حالات من التشوه العام الذي يقوض أعتى المجتمعات.
ثم إن هناك علاقة مباشرة بين الإصلاح أي إصلاح- سياسياً كان أو اجتماعياً- ومخرجات العملية التعليمية. فالديمقراطية المنشودة، بأي مواصفات كانت- أصيلة أو وافدة- لا يمكن أن ينهض بها مجتمع الأغلبية فيه من الأميين، والمتعلمون فيه أكثرهم لم يحصلوا إلا على قشور من المعرفة السطحية، وأثقال من مناهج التلقين والامتثال الفكري والجمود. هؤلاء وأولئك لا يمكن أن ينجزوا إصلاحاً حقيقياً- وخاصة مع بروز منطق الإصلاح يربط حيوية ومتعة الإصلاح بالمعرفة.
ويشير علماء الاجتماع إلى أن غالبية النظم السياسية في التاريخ نشأت بفضل تمكن تيار سياسي ما من السيطرة على السلطة، بفضل ثورات أو انتفاضات شعبية أو انقلابات عسكرية وسياسية، أو حروب أهلية ودولية، وما يعني أن غالبية النظم السياسية ولدت ولادة عنيفة، بعد أن تمكنت مدرسة سياسية أو طبقة اجتماعية أو جماعة قومية من حسم الصراع السياسي والتنافس على السلطة لمصلحتها. وكان من شأن هذه الولادات العنيفة أن تطرح ثمارها المغالية في العنف، وتنقلب على ذاتها وتأكل أبناءها. وعلى النقيض من ذلك كانت هناك نماذج قليلة في التاريخ تطورت بصورة أخرى. وهذه النماذج كانت استثناءً.
حاولت البشرية لاحقاً تكراره في الديمقراطيات الحديثة، التي بالرغم من إدانة بعض ممارساتها- الخارجية خاصة- فإنها تحقق شرعية بين أبنائها لا يدانيها فيها أي من الأنظمة التي استقر لها الأمر بالعنف والعسف. ثم إن الازدهار والنهضة المتحققين عبر الحوار السلمي في مجتمع يقوم على المعرفة، يكون لهما البقاء الأطول والأكثر تأثيراً في صون حقوق الإنسان في هذا المجتمع.
وتظل للمعرفة القدرة على لجم الأهواء، وتشذيب المصالح التي تكمن وراء أي سلطة سياسية، وتحقيق التوازن الأفضل بين الاعتبارات المتعارضة في كل سياسة عامة. ومن هنا تتبدى الأهمية القصوى لإصلاح التعليم كأولوية، وبداية لأي اصلاح.