من معبر رفح إلى وول ستريت: من يقرّر حياة الفلسطينيين؟

قراءة في مقابلة بسّام الصالحي

ليست القضية معبراً يُفتح أو يُغلق، بل من يملك قرار الحياة والموت لشعبٍ كامل.

حين تُدار غزة أمنياً من الحدود، واقتصادياً من السوق العالمي، تصبح السيادة هي المعركة.

بعد المقابلة الأخيرة لبسّام الصالحي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني، لم يعد النقاش محصوراً في تفاصيل (فتح المعبر) أو (إغلاقه)، بل انتقل إلى سؤال السيادة: من يملك القرار، ومن تُفرض عليه شروط الحياة؟

بالنسبة للصالحي، لا تُقاس المسألة بعدد الشاحنات أو آليات التشغيل، بل بجهة القرار التي تتحكم بإيقاع الحياة اليومية: الغذاء، الدواء، الحركة، والإعمار. وحين يُختزل النقاش في تفاصيل إجرائية، يُعاد إنتاج منطق إدارة الأزمة بدل مساءلة جذورها.

من السيطرة العسكرية

إلى الإدارة الدولية

يتعامل الصالحي مع الواقع في غزة بوصفه نموذجاً متكاملاً للسيطرة؛ ليس عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر منظومة أوسع تُدير الصراع سياسياً واقتصادياً ومالياً، وتُعيد تنظيم الحصار تحت عناوين تقنية وإنسانية. في هذا الإطار، تتحول المساعدات إلى بديل عن الحقوق، وإعادة الإعمار إلى مسار مشروط سياسياً وأمنياً، ويُعاد تقديم الاستقرار بوصفه أولوية تتقدّم على العدالة.

 

حين يلتقي المعبر بالسوق العالمي

في قراءة الصالحي، الربط بين معبر رفح ومراكز القرار الاقتصادي العالمي ليس استعارة لغوية، بل توصيف لواقع تُدار فيه الصراعات الحديثة بمنطق مزدوج: أمني على الأرض، واقتصادي في الخلفية. فالقرار السياسي لا ينفصل عن حسابات الأسواق، وكلفة الحرب، ومصالح إعادة الإعمار، وتوازنات الاستقرار الإقليمي.

هنا يصبح الحصار أداة ضبط اقتصادي، لا إجراءً أمنياً فقط. وتتحول المعاناة الإنسانية إلى عنصر ضغط يُستخدم لإنتاج ترتيبات مؤقتة، لا حلول عادلة. ويجري تفريغ الصراع من مضمونه السياسي لصالح خطاب تقني يُدير النتائج بدل معالجة الأسباب.

السيادة في مواجهة منطق (الإدارة)

أخطر ما يشير إليه الصالحي ليس فقط استمرار الاحتلال، بل محاولة استبداله بنموذج آخر لا يقل خطورة: نموذج الوصاية والإدارة الدولية. مجالس، أطر، مبادرات، تُعرض باعتبارها حلولاً، بينما هي في جوهرها إعادة ترتيب للسيطرة دون تمكين الشعب الفلسطيني من حقه في القرار.

السيادة لا تُنتزع دفعة واحدة، لكنها قد تُسحب تدريجياً: تبدأ بتقييد القرار، ثم بتحويله إلى شراكة مشروطة، ثم إلى إدارة خارجية. في كل مرحلة، يُطلب من الفلسطيني التكيّف مع الواقع بدل تغييره.

 

المعركة الحقيقية

في النهاية، يعيد طرح الصالحي تعريف جوهر السؤال:

هل نحن أمام صراع تحرّر وحقوق، أم أزمة إنسانية تُدار؟

الفرق بين التعريفين هو الفرق بين شعب يطالب بالسيادة، وشعب يُدار. وبين سلام يقوم على العدالة، وترتيبات تُبقي جذور الصراع قائمة.

 

خاتمة

من معبر رفح إلى السوق العالمي، تتكرر المسألة ذاتها: من يقرّر؟

ما لم يُستعَد القرار الوطني الفلسطيني، ستبقى كل الحلول مؤقتة، وكل التهدئات هشّة، وكل الإعمار قابلاً للانهيار.

السيادة ليست شعاراً سياسياً، بل شرط الحياة نفسها.

المدرسة الفلسطينية للفكر والتحليل السياسي.

العدد 1186 - 11/02/2026