خاطرة: فلنسر إلى “لحظة التنوير”

يونس كامل صالح:

ثمة أسئلة باتت مكررة، لكن هناك ملابسات تجعل من إعادة طرحها نوعاً من التشبث بالبديهيات، في زمن تتآكل فيه البديهيات، وبسرعة مفزعة، لأجيال مازالت فاعلة في حياتنا، وإن لم تعتد بعد ذلك الإيقاع الإلكتروني لأنماط الحياة السائدة في هذا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. وسؤال عن حاضر ومستقبل القصة عندنا قد يبدو سؤالاً مثقلاُ بالغبار، والإملال، ولكن إذا طرحناه في إطار ضرورة الإمساك بالنبض الإنساني المهدد بالاكتساح أمام ضوضاء التقنيات الحديثة، لصار السؤال حيوياً برغم كل ما يعلق به من شجن.

فثمة أشياء نتركها تفر أمام هجمات الآلية والتقنية الكاسحة، وما ينبغي لها أن تفر على الأقل حتى تكون عائقاً، ولو رقيقاً، أمام مخاطر الغلو التقني على وجدان الإنسان، بل وجوده نفسه، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ذلك الاحتمال الذي لم يعد بعيداً بأن يقضي المخلوق الاصطناعي على صانعه، إذا أسلم له الإنسان كل مقاليد الأمور. وحديث الحروب الرقمية لم يعد نوعاً من الخيال العلمي، بل صار واقعاً يجري تجهيزه في تكتّم شديد في بعض أركان (العالم المتقدم).

لقد قيل إن الأدب هو سجل المشاعر الإنسانية، وتبدو القصة في هذا الإطار بمنزلة (كشف حساب مختصر) لهذه المشاعر، وهو ليس ككشف حساب البنوك الآلية في هذه الأيام، بل هو نوع من الإيجاز الذي يختزن الكثير، ويوحي بالكثير، لأنه يتعلق بالمشاعر التي ربما يمر وقت طويل جداً دون أن تستطيع الآلة- أي آلة- ولو مجرد الوقوف على حافة حافتها.

وكم نحن بحاجة إلى مزيد من المشاعر الإنسانية، فلعلها زادنا الممكن في مواجهة عالم يبدو لنا خارجاً عن السيطرة، لقلة ما نملكه من أدوات هذا النظام. ولعل تشبثنا بنبضات قلوبنا الإنسانية يمنحنا القوة على اقتحام دنيا الالكترونيات وغيرها بقلب جديد، قلب جديد.

سجلات المشاعر الإنسانية لم تكف ولن تكف عن الامتلاء، وما تنشره آلاف الصفحات والمجلات في العالم، تقول إن الأدب سيبقى مادامت المشاعر، أي مادام الإنسان، ومن هنا تبرز ضرورة الاحتفاء بالأدب، وبالقصة، وبالقصة القصيرة بمثابة إجابة عن ذلك السؤال المتعلق بمستقبل هذا الفن العظيم.

ولعلنا لا نكون في حاجة إلى تأكيد القول بأن أفضل أنساق الكتابة، أيّاً كان موضوع الكتابة، هو ما يأخذ بتقنيات القص، سرداً وتشويقاً وبحثاً عن (لحظة التنوير). وهذا المنطق هو الذي يجب أن يحكم الاختيار، فلنسر إلى (لحظة التنوير) لأن التجدد يكمن في ذلك.

العدد 1194 - 15/04/2026