دعوة لتوسيع مساحة كيان الاحتلال
د. صياح فرحان عزام:
في لقاء للرئيس الأمريكي السابق ترامب مع مجموعات يهودية شكّلت تحالفاً لدعمه في الانتخابات الرئاسية المقررة في الخامس من شهر تشرين الثاني لهذا العام، فاجأ الكثيرين بقوله: (عندما تنظرون إلى خريطة الشرق الأوسط، تجدون أن إسرائيل بقعة صغيرة جداً مقارنة بهذه الكتلة العملاقة من اليابسة المحيطة بها، لذلك تساءلت: هل ثمة من طريقة للحصول على المزيد من المساحة؟).
البعض من العرب لم يُعِر اهتماماً لمثل هذا القول الخطير جداً والذي يعلنه صاحبه علناً ليسمعه كل العالم، والبعض الآخر راح يجتهد وينظّر قائلاً: ربما هذا القول حديث انتخابي!
هذا الحديث ليس مجرد حديث انتخابي، بل يعبر عن وجهة نظر خطيرة جداً وعن رؤى تجعل من القادم أمراً حساساً، كما ويعكس رؤى بعيدة عن السلام وعن الحل العادل للقضية الفلسطينية.
ليس هناك شكّ في تحيّز ترامب للجانب الإسرائيلي، علماً بأنه تحيّز غير أخلاقي أولاً، ومخالف لقرارات الشرعية الدولية ثانياً.. أليس هو الذي نقل سفارة بلاده إلى القدس وأوفد صهره على رأس وفد أمريكي لحضور مراسم الاحتفال بمناسبة هذا النقل؟ أليس هو من اخترع (صفقة القرن)، والمصرّ على تنفيذها حتى الآن.
ترامب بتصريحه وبقوله الذي أشرنا إليه في بداية الحديث، يتحدث بأسلوب عقاري، حين يدعو بكل وقاحة إلى زيادة مساحة الكيان الصهيوني الغاصب، لتكون فلسطين – حسب اعتقاده- ضمن خطته الانتخابية، بهدف كسب أصوات اليهود على حساب ما تبقّى من مساحة فلسطين، إضافة إلى مساحات جديدة من دول عربية مجاورة للكيان.
والأمر المقلق في تصريحات ترامب أنها تزامنت مع إظهار وزير مالية كيان الاحتلال (بتسليئل سموتريتش) لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة خريطة ما يسمّيها (إسرائيل الكبرى)، وفي هذا الأمر مؤشّر خطير، بل أخطر من الخطر نفسه، ويلوّح بكارثة ستضرب المنطقة بأسرها، فضلاً عن حرب الإبادة في غزة التي قاربت العام، والتي أوصلت أهالي غزة إلى مستوى ما قبل الحياة البشرية وإلى أسوأ أنواع الدمار والقهر والتجويع والظلم أمام أنظار العالم الذي يقف متفرجاً، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تستمر في ضخ مختلف أنواع الأسلحة لجيش الكيان إلى جانب الدعم السياسي والإعلامي غير المسبوق له.. وبالتالي جاء كلام ترامب خارج المنطق وفي وقت يجري فيه البحث عن مخرج يجنّب المنطقة بأسرها والعالم كارثة كبيرة.
أمر متوقع أن يدعم ترامب كيان الاحتلال، لكن حديثه عن أرض عربية فلسطينية، وربما رمى لما أبعد من ذلك، مسألة مرفوضة فلسطينياً وعربياً، كذلك جاء حديث ترامب منسجماً مع رؤية كيان الاحتلال لتهجير أهالي غزة إلى الأردن ومصر وأي مكان آخر، وكأن ترامب يقرّ بسياسة التهجير ويشجع عليها ويشرعنها ويمهد الطريق للاحتلال لتطبيق سياساته وخططه المتعلقة بهذا الأمر، وبطبيعة الحال، هذا التهجير يعدّ مسماراً جديداً في نعش القضية الفلسطينية.
كل هذا يجعل حديث ترامب على الصعيد العملي بمثابة من يضع عود ثقاب جديد في هشيم مشتعل منذ أكثر من عشرة أشهر في المنطقة بسبب حرب كيان الاحتلال على قطاع غزة وتنفيذه أبشع جرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني ضمن هذه البقعة الصغيرة من العالم (قطاع غزة).
إن مثل هذه التصريحات ليست غريبة، فهي في صلب فكر نخب الحزب الجمهوري الذين ينتصرون لكيان الاحتلال.
الخلاصة.. إن واقع الحال يؤكد التحيز الأمريكي الفاضح للاحتلال، وهذا ما يحتم على العرب الحذر منه حتى لا تتكرر ظروف صفقة القرن، وألا تكون فلسطين من جديد ورقة رابحة في الانتخابات الأمريكية الرئاسية القادمة على حساب فلسطين والعرب عامة.