الصين والعرب نحو مصير مشترك

د. صياح فرحان عزام:

استضافت الصين مؤخراً منتدى العلاقات العربية – الصينية، وعلى هامش هذا المنتدى لابد أن يسجل التقدير للدول العربية لما باتت توليه من عناية بعلاقاتها مع الصين وضرورة تطويرها، وما من شك في أن هذا التوجه العربي الثنائي والجماعي نحو الصين يدلّ دلالة واضحة على قراءة العرب قراءة صحيحة لمستجدات الوضع الدولي الراهن وما طرأ عليه من تطورات، لاسيما التقدم الاقتصادي الصيني المذهل من جهة، ومساعدات الصين لمختلف دول العالم، ومنها الدول العربية في مجال التنمية وإقامة المشاريع الكبيرة والاستثمار من جهة أخرى، إضافة إلى بروز القوة الآسيوية التي تعد الصين نموذجها الأقوى والأوضح كقوة مقررة على مستوى العالم، خاصة على الصعيد الاقتصادي، وهو أمر مهم كان على الدول العربية أن تتنبّه له مبكراً، ليس على الصعيدين السياسي والاقتصادي وحدهما، بل حتى على الصعيدين الثقافي والاجتماعي أيضاً.. وهنا نذكر على سبيل المثال أن عدداً من المفكرين العرب تنبهوا قبل عقود من الزمن إلى أهمية هذا الأمر، أي أن العرب ظلوا على الدوام يفكرون بالغرب بوصفه (الآخر) الوحيد، والمتقدم والمتحضر من جميع النواحي والاتجاهات، وبالطبع هذا خطأ فادح، بمعنى أن المفكرين العرب عادوا إلى الفلسفة الأوربية الكلاسيكية والحديثة من ديكارت إلى سارتر ونيتشه وماركس وغيرهم، لكنهم أهملوا الفكر الهندي والحكمة الصينية، وكلاهما يعتمد على أسس بعيدة عن الإرث اليوناني والسامي، فيما علماء الغرب نفسه المزهو دائماً بنفسه وبنهضته وبحضارته وبتقدمه قد اهتموا كثيراً بهذا التراث الهندي الصيني النافذ والعميق. إن للصين شخصية حضارية وثقافية وسياسية جعلت من تحولها إلى الحداثة مأثرة حقيقية خلافاً لليابان التي هي برأي العديد من المفكرين العرب لم تكن إلا تلميذاً للصين.. وما يثير السرور والغبطة أن عدة دول عربية أصبحت تولي العامل الثقافي أيضاً أهمية في تعاونها متعدد الأوجه مع الصين، والدليل على ذلك الأعداد الكبيرة من الطلاب والطالبات العرب الذين يدرسون في الجامعات الصينية، وتخرج فيها المئات وربما أكثر، هذا مع التوجه إلى تدريس اللغة الصينية أيضاً في المدارس والجامعات العربية باعتبارها لغة قوة دولية كبرى، إذ إن تعلم لغة أي أمة أو دولة كبرى يوسع دائرة التفاعل مع ثقافتها وحضارتها وبناء وتقوية دعائم وجسور التعاون معها.

لقد آن الأوان وليس هذه الأيام فقط بل منذ زمن، أن يكف العرب عن النظر إلى العالم بعين واحدة لا تتوجه إلا غرباً، وأن يلبوا الدعوات الكثيرة للالتفات نحو الشرق عامة ونحو الصين بشكل خاص بصفتها القوة الأكبر التي نشأت بينها وبين العديد من الدول العربية شبكة تعاون اقتصادي واسعة النطاق، وأن تستفيد من تجربتها الناجحة والمميزة في التنمية والتطور الاقتصادي، فقد عملت وهي القوة التي لها ما لها من أهمية جغرافية وسياسية واقتصادية وكتلة سكانية ضخمة، بصمت ودونما ضجيج، وبما يتفق وظروف الصين التاريخية وتراثها الإنساني بعيداً عن أية اشتراطات سياسية أو غيرها وعن أي استغلال كما يفعل الغرب الاستعماري عندما يستثمر في أي بلد وخاصة في بلدان الجنوب.

إذاً، على العرب أن يجعلوا من نتائج منتدى العلاقات العربية – الصينية الأخير خطوة نوعية أخرى نحو المزيد من التعاون المثمر والبنّاء مع الصين، وهو من دون شك تعاون يقودنا إلى منفعة للطرفين، على خلاف ما هو معروف عن العلاقات مع دول الغرب والتعاون معه.

العدد 1112 - 26/6/2024