الحَراك الطلابي في الغرب.. أبعاده وخلفياته

د. صياح فرحان عزام:

تشكل الاحتجاجات الطلابية حدثاً فارقاً يواجه السياسيين الأمريكيين، وخاصة الرئيس بايدن، الذي يجلس في البيت الأبيض حالياً، فما يشبه هذا الحدث وقع في نهاية الستينيات من القرن الماضي وبداية السبعينيات، عندما فتح ليندون جونسون الرئيس الديمقراطي الخزائن لشركات الأسلحة وخاض في الوحل الفيتنامي لإرضاء المافيات الداعمة له انتخابياً، وضحى بأرواح الشباب الأمريكي في أرض ليست أرضهم، ودفاعاً عن قضية ليست قضيتهم، يومها انفجرت الشوارع وشلت حركة الإنتاج وامتلأت السجون بالرافضين للتجنيد، وتوقفت المدارس والجامعات حتى سقط في انتخابات عام 1968، وجاء بعده الرئيس نيكسون ليلملم الفوضى التي خلفها سلفه، وفتح الطريق لمفاوضات سرية تحولت إلى علنية وأثمرت نهاية لحقبة العدوان على فيتنام عبر البحار وإثبات حجم القوة الغاشمة.

الرئيس بايدن يمر بالظروف نفسها مع اختلاف في استخدام الوسيط للقتال والتدمير نيابة عن الولايات المتحدة، فهو الداعم الأكبر بالمال والسلاح والقرار السياسي للمذابح في غزة، وساند حرب الإبادة دون أن يرف له جفن، وأرسل أسلحة قاتلة لنتنياهو وجيشه دون شروط أو قواعد أخلاقية، وتركه يتصرف بعنجهية وإجرام يفعل كما يشاء.

ولكن الشعب الأمريكي لم يعد ذلك الشعب الذي لا يهتم إلا بشؤونه الداخلية، خاصة بعد أن شاهد نتائج الأسلحة التي ترسل باسمه لمجرمي الحرب، فتحرك من باحة جامعة كولومبيا محتجاً ورافضاً ومناشداً لوقف المجزرة، إلا أن بايدن تعنت وتكبر، فإذا بجامعات أخرى تنضم إلى الاحتجاجات، فلجأ الساسة الأمريكيون وإعلامهم إلى إشهار لافتة (معاداة السامية) مع استخدام العنف ضد الطلاب المعتصمين في حرم الجامعات وضد بعض الأساتذة الجامعيين عن طريق الضرب والسحل والاعتقال، وهكذا أخرجت بقية الجامعات عن صمتها والتحقت بأخواتها في عدة ولايات ومدن.

وقد امتدت الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات أوربية عريقة مثل جامعة السوربون في فرنسا وإلى جامعات بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، كل ذلك رفضاً لحرب الإبادة في غزة، ومطالبةً بوقف إطلاق النار ووقف الاستثمارات في الشركات التي تدعم كيان الاحتلال الصهيوني بالتكنولوجيا العسكرية.

لم يتوقع أحد في العالم رؤية انتفاضة أمريكية دعماً لعزة، هذه الانتفاضة نظمها تحالف طلابي ضم أكثر من 120 منظمة طلابية وأساتذة جامعيين.

وإذا ما جئنا إلى خلفيات هذا الحراك الطلابي ونتائجه، نجدها تتمثل بما يلي:

– أثارت هذه الاحتجاجات ذعر الكيان الصهيوني الذي بات يشعر بأنه يعيش حالة من العزلة الخانقة ويتعرض لإدانات واضحة.

– أبدت وسائل الإعلام الأمريكية التي اصطفت إلى جانب كيان الاحتلال خيبتها من أن الاحتجاجات لم تهاجم حركة حماس ولم تعتبرها أنها سبب الحرب.

– تبين من خلال هذه الانتفاضة الطلابية أن هناك خلفيات اقتصادية واجتماعية تقف وراءها، بمعنى آخر إن للانتفاضة مولداتها الداخلية، وإن كانت تبدو متصلة بقضية فلسطين وحرب الإبادة في غزة.

– لوحظ أن هناك تحولاً سافراً داخل الولايات المتحدة نحو القمع السياسي المباشر، بسبب تعمق الهوة الاجتماعية داخل البلاد وتخفيض مستوى الحريات السياسية والخدمات الاجتماعية التي كانت تساهم في استيعاب موجات مثل هذا الحراك وتجنب تداعياته.

– إن هذا الجيل الطلابي الشاب يصطدم مدفوعاً بمثله العليا مع مؤسسات الحكم الأمريكي (البيت الأبيض والكونغرس وحكام الولايات) بسبب سياساتها البعيدة عن الضمير الإنساني الحر والقائمة على الرغبة في الهيمنة على الشعوب ومصادرة مستقبلها، ومنع أي تحرك أو احتجاج ضدها.

– تعد هذه الانتفاضة حراكاً غير مسبوق في أمريكا منذ احتجاجات الحرب على فيتنام.

– إن الحرب على غزة والاحتجاجات الأمريكية والغربية ضدها من قبل الطلاب أكدت وجود تناقضات في النظام العالمي وداخل الأنظمة الحاكمة الغربية، وأظهرت الحاجة إلى نظام عالمي جديد يرفع الظلم عن الشعوب.

العدد 1110 - 05/6/2024