انقسامات أوربية ومخاوف من حرب عالمية جديدة!

د. صياح فرحان عزام:

بات من الواضح أن أوربا منقسمة سياسياً، وتعاني اقتصادياً، بسبب مساعداتها لأوكرانيا على مدى عامين ونيّف، ومع هذا تعمل بعض دول الاتحاد الأوربي على تسعير الحرب الجارية في أوكرانيا بدلاً من العمل على وقفها، وفي هذا السياق، جاء فوز بيتر بليغريني برئاسة سلوفاكيا على خصمه إيغور كورشوك، المرشح المؤيد لدعم أوكرانيا، ليشكل ضربة سياسية جديدة للدول الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية وأوكرانيا في مساعيها لتوفير المزيد من الدعم السياسي والعسكري والمالي لنظام زيلينسكي في كييف.. هذا الفوز يمثل تحولاً جديداً في الموقف الأوربي، ويشكل مع موقف رئيس المجر ورئيس صربيا عقبة صعبة أمام مخططات الاتحاد الأوربي وأمريكا لتقديم الدعم إلى كييف.

الرئيس الجديد المنتخب لسلوفاكيا أعلن برنامجه السياسي، مؤكداً فيه أنه يقف إلى جانب السلام، لا مع الحرب، قائلاً: (فلينقذني من يريد وكيفما يريد.. سأدافع عن مصالح سلوفاكيا ولن أرسل جيشاً إلى أوكرانيا)، مقترحاً مفاوضات سلام في أقرب وقت ممكن كحلّ لتجنّب الكارثة.

وبهذا يمكن القول إن نظام كييف خسر داعماً مهماً بفوز بيتر بليغريني، خاصة في مجال الدعم العسكري (طائرات ميك 29 وأنظمة دفاع جوي ومساعدات مالية وصلت حتى تموز الماضي إلى 750 مليون دولار)، وتعدّ سلوفاكيا من أكبر الدول الداعمة لكييف بعد المجر وبولندا والنرويج ودول البلطيق.

إذاً، هناك انقسامات أوربية ترافقها أيضاً مخاوف أوربية من حرب عالمية ثالثة، كما يقول بذلك خبراء وكتاب أوربيون وغيرهم، ويؤكدون أن ما يقولونه يعتمد على عدة مؤشرات واضحة منها:

– الحديث الذي أدلى به رئيس وزراء بولندا مؤخراً دونالد توسك لإحدى الشبكات الإعلامية، مؤكداً أن القارة الأوربية دخلت حقبة ما قبل الحرب العالمية الثالثة لأول مرة بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا، وتأتي أهمية حديثه هذا من خلال الوضع الجغرافي لبلاده، لأنها ملاصقة لأوكرانيا، بل تعد الرئة التي تتنفس منها كييف برياً في ضوء سيطرة روسيا على معظم موانئ البحر الأسود.

– المؤشر الآخر أن روسيا تحقق انتصارات متتالية في الميدان، إلى جانب أن زيلينسكي أعلن يوم الثلاثين من آذار الماضي أن بلاده مستعدة للتفاوض مع روسيا على حدود ما قبل العملية العسكرية الروسية الخاصة عام 2022، وهذا يعني استعداده للتنازل عن شبه جزيرة القرم وبعض المناطق الموجود فيها أغلبية من ذوي الأصول الروسية وتتكلم اللغة الروسية، إلا أن الرد الروسي على الإعلان جاء سريعاً بأن الحقائق على الأرض قد تغيّرت.

– مؤشر آخر أيضاً وهو ما قاله الرئيس الفرنسي ماكرون من أن بلاده تدرس إمكانية إرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا، وهذا يتنافى مع حرصه على ديمومة الاتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومع قول سابق له بأنه يتعين عدم إذلال روسيا.

– قام الرئيس بوتين مؤخراً (في نهاية شهر آذار الماضي) بالتوقيع على وثيقة لاستدعاء مئة وخمسين ألف جندي لأداء الخدمة الإلزامية في فصل الربيع.

إذاً، وبناء على ما سبق، فإن المخاوف الأوربية من حرب عالمية ثالثة هي مخاوف معقولة، لاسيما أن الولايات المتحدة تدفع بهذا الاتجاه، بهدف المحافظة على قيادتها الأحادية للعالم، حتى ولو دمرت أوربا عن بكرة أبيها، لاسيما بعد أن استخدمتها على مدى أكثر من سنتين (أي منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا) لهذا الغرض.

 

العدد 1194 - 15/04/2026