(الناتو) يساوم أوكرانيا لإنهاء الحرب
د. صياح فرحان عزام:
أدلى مسؤول كبير في حلف الناتو يدعى ستيان يينسين ويشغل منصب رئيس مكتب الأمين العام للناتو خلال مشاركته في فعالية بالنرويج مؤخراً، بتصريح جاء فيه: (أن تتخلى أوكرانيا عن جزء من أراضيها لروسيا مقابل حصولها على عضوية الحلف وإنهاء الحرب).
لا شك بأنه تصريح مهم من حيث مضمونه، والمسؤول الذي أطلقه في الوقت الذي يسخّر فيه الناتو كل إمكاناته وقدراته في الدعم المتعدد الأوجه لأوكرانيا في الحرب مع روسيا، إلا أنه مدهش في الوقت نفسه؟ لماذا؟ قد يكون مفهوماً ومنطقياً أيضاً لو أن هذا التصريح على لسان مسؤول روسي كبير مثل دميتري ميدفيديف (نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي) الذي أرسل من على منصة تليغرام عدة رسائل تصعيدية لكييف وللغرب رداً على استفزازات من قبل الطرفين المذكورين، ولكن أن يأتي التصريح على لسان مسؤول كبير في الناتو، فهذا أمر يستحق الوقوف عنده.
وأشار مسؤول الناتو الكبير الذي أدلى بهذا التصريح والذي لا ينطق عن الهوى، إلى أن أعضاء الحلف يناقشون حالياً كيفية إنهاء الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ ثمانية عشر شهراً، وأن الحل يمكن أن يكون بتخلي أوكرانيا عن بعض أراضيها وحصولها مقابل ذلك على عضوية حلف الناتو، وهو بهذا يؤكد أن الاقتراح ليس من بنات أفكاره، بل هو إحدى خلاصات مناقشات جارية في أروقة الناتو لإنهاء الحرب، التي لم ترهق أوكرانيا وروسيا فقط، وإنما أرهقت كل دول حلف الناتو واستنزفت من قدراتها العسكرية والمادية والمالية الكثير الكثير.
وفي تعليق لميدفيديف على هذا التصريح قال: إنه يتعين على أوكرانيا أن تتخلى عن العاصمة كييف نفسها كي تنضم إلى الناتو.
على أي حال، إن اقتراح مسؤول الناتو الكبير إن دل على شيء فإنما يدل على يأس أمريكا والدول الأوربية الحليفة لها من إمكانية قلب ميزان القوى في الحرب، وإدراكها التعثر الكبير الذي وصل إليه ما سمي بالهجوم الأوكراني المضاد المدعوم بترسانة متطورة وفعالة من أحدث الأسلحة الغربية لاستعادة الأراضي التي استعادتها روسيا.
وقد أثار تصريح مسؤول الناتو غضباً شديداً في كييف المستاءة أصلاً مما تسميه تردد الغرب في عملية ضمها إلى الناتو رغم إلحاحها المتزايد على ذلك. وقال ميخايلو بودولاك كبير مستشاري زيلينسكي: (إن مبادلة الأراضي بمظلة الناتو تعد أمراً مثيراً للسخرية، وأن هذا يعني اختيار هزيمة الديمقراطية عمداً والحفاظ على النظام في موسكو وتدمير القانون الدولي ونقل الحرب إلى أجيال أخرى (حسب ادعائه).
من جهة أخرى إن تصريح رئيس مكتب الأمين العام لحلف الناتو يشكل رسالة واضحة بأن الكثير من رهانات الحلف في هذه الحرب في أوكرانيا قد تعثرت، بل وسقطت.
باختصار.. إلى جانب يأس حلف الناتو من حسم المعركة في أوكرانيا لصالحه، هناك عوامل أخرى تدفع إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، منها الوضع الخاص لأوكرانيا بعد فرض مطلبها الانضمام إلى الحلف، لأن الغرب لا يريد التورط في شكل جديد من الحروب إلى جانب فشل الهجوم المضاد، والعامل الآخر المؤثر أكثر في مستقبل هذه الحرب، هو التصدع في الموقف الداعم للحرب، والعامل الثالث هو تسارع وتيرة ظهور الأقطاب المنافسة للعالم أحادي القطبية، من خلال التكتلات الإقليمية والدولية ضد القطب الواحد (الغرب) والتي تتبلور بأشكال مختلفة.