مظاهر الإفصاح عن مكنونات مخبأة
د. صياح فرحان عزام:
كشفت تصريحات وزير الدفاع البريطاني بن والاس، على هامش قمة حلف الناتو الأخيرة في فيلينيوس، أن هناك هوة كبيرة بين المواقف البريطانية المعلنة الداعمة لأوكرانيا، وحقيقة المعاناة التي تعانيها بريطانيا ودول الغرب عموماً جراء نضوب مخزوناتها العسكرية وفراغها، بسبب إمداد أوكرانيا بالسلاح والذخيرة بشكل غير محدود.
وبغض النظر عما إذا كانت هذه التصريحات قد أطلقت عن قصد أو غير قصد، فإن مجرد تذكيره زيلينيسكي بأن بريطانيا ليست خدمة توصيل (متجر أمازون) عبر الإنترنت، رداً على طلبات الرئيس الأوكراني المتكررة بالمزيد من السلاح، يظهر إلى العلن انزعاج بريطانيا من هذه الطلبات التي لا نهاية لها، ويكشف على الأرجح عن خلافات داخل التحالف الغربي، ويوضح للجميع ما كان هذا التحالف يحاول إخفاءه طوال الوقت، حتى لا يكون يقدم هدايا مجانية لروسيا التي تنتظر، وهي على حق في ذلك، سماع مثل هذه التصريحات التي تعبّر عن اشمئزاز من طلبات زيلينيسكي المتواصلة.
طبعاً لا أحد يشك في أن حكومة لندن كانت ولا تزال حتى الآن، من أكثر دول حلف الناتو حماساً لمساعدة أوكرانيا حتى قبل أن تبدأ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بسبب الخلافات المتردّية أصلاً بين روسيا وبريطانيا، وبعد بدء العملية الروسية كانت بريطانيا في مقدمة الدول التي سارعت إلى تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي والمستشارين العسكريين والضباط والجنود وتوفير الدعم المادي والإعلامي لأوكرانيا، قبل أن تتحول إلى تقديم الدعم العملي والميداني لها (أي لأوكرانيا) بإرسال أحدث ما في ترسانتها الحربية والعسكرية من دبابات (تشالينجر) إلى صواريخ (ستورم شادو) وغيرها من الأسلحة والذخائر والقنابل الصاروخية والمدفعية، وبالتالي فعندما يلح زيلينيسكي على طلب إرسال المزيد من الأسلحة المتطورة باعتباره خط الدفاع الأول – كما يزعم- عن أوربا كلها، وحتى عن أمريكا، فهو يحاول ممارسة المزيد من الضغوط للحصول على المزيد من الأسلحة، والدعم المالي والإعلامي، مستغلاً مسألة عدم تحديد جدول زمني لانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، كما لو أنه يحاول المقايضة أو تعويض هذه بتلك، ويرجح محللون سياسيون وعسكريون أمريكيون وغربيون أن هذا ما دفع بن والاس وزير الدفاع البريطاني إلى مطالبة زيلينيسكي بإظهار ما أسماه (الامتنان) على الأقل لبريطانيا بعد كل ما قدمته لأوكرانيا.
ومع أن الجميع سواء بريطانيا أو في أوكرانيا، ينفون وجود خلافات بينهما، إلا أن رد زيلينيسكي الغاضب خلال مؤتمر صحفي عقده على هامش قمة فيلينيوس يشي بالكثير من الخلافات، لاسيما عندما طلب زيلينيسكي من وزير دفاعه الاتصال فوراً بنظيره البريطاني وتقديم (الامتنان) له.
جدير بالذكر أن هذا الخلاف لا يقتصر على لندن وكييف، فالكثير من دول حلف الناتو الشيطاني أبدت قلقها من نفاد مخزوناتها العسكرية، حتى أن واشنطن أرسلت لأوكرانيا القنابل العنقودية المحظورة والمحرمة دولياً وأخلاقياً، بدلاً من القذائف التقليدية، بذريعة النقص في الذخيرة.
ومما يوضح الصورة أكثر أن مجموعة من البرلمانيين البريطانيين تنتقد نظام المشتريات العسكرية لبلادها، وتعدّه فاشلاً، لأنه يعرّض الجيش البريطاني للخطر.
الخلاصة.. يتضح مما تقدم أن تسليح نظام زيلينيسكي أصبح يشكل عبئاً ثقيلاً على دول الناتو، وأن ما صرح به وزير الدفاع البريطاني بن والاس هو أحد مظاهر الإفصاح عن مكنونات ما يخبئه الآخرون.