تحذيرات في محلّها
د. صياح فرحان عزام:
هنري كيسنجر الذي يوصف بثعلب السياسة الأمريكية، هو رجل سياسة مخضرم، مارس الواقعية السياسية، وهو خبير دبلوماسي وجيوسياسي متمرس ومحنك، وكما هو معروف كان صاحب الرأي في سياسة الانفتاح على الصين والاتحاد السوفييتي السابق، وله بصمة سياسية واضحة وعميقة في الشؤون الدولية، ولهذه الأسباب الآنفة الذكر حين يقدم رأياً أو موقفاً، فإنه يصدر عن رجل سياسي لديه قدرة على الاستشراف وتقييم الأوضاع وتقديم الحلول.
وفي الآونة الأخيرة قبيل عيد ميلاده المئة الذي يصادف يوم 27 أيار الجاري، حذر في حديث له مع شبكة (سي إن إن) من أن الحرب الأوكرانية (تقترب من نقطة تحوّل مهمة). وفي حديث آخر مع صحيفة (إل موندو) الإسبانية حذر من رغبة البعض في (تفكيك روسيا، لأن ذلك قد يؤدي إلى فوضى نووية)، داعياً إلى إحلال سلام قائم على التفاوض للحد من مخاطر نشوب حرب عالمية مدمرة، وأضاف قائلاً: (نعيش الآن في عصر جديد تماماً، والوضع الجيوسياسي على مستوى العالم سيشهد تحولات كثيرة بعد انتهاء الحرب الأوكرانية).
إن تحذيرات كيسنجر من اقتراب الحرب الأوكرانية من نقطة تحول مهمة ومن مخاطر نشوب حرب عالمية مدمرة، لا تلتقي مع قيام الدول الغربية، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرارها بتصعيد أوار الحرب، ومساعيها الخبيثة لتوسيع ساحة القتال بما يتجاوز حدودها الحالية، وصولاً إلى الأراضي الروسية، من خلال تزويد أوكرانيا بأسلحة جديدة وصواريخ من طراز (ستورم شادو) التي يصل مداها إلى أكثر من 250 كم، وهي صواريخ تطلق من الطائرات بعيداً عن خطوط القتال، ويمكنها استهداف مراكز القيادة الروسية، وخطوط الإمداد، ومستودعات الذخيرة والوقود والعتاد في عمق شبه جزيرة القرم.
وكانت الولايات المتحدة قد زودت نظام زيلينسكي بأنظمة الصواريخ الدقيقة من طراز هيماوس مع ذخيرتها، ويبلغ مداها 300 كم، لكن مدياتها قُلِّصت إلى نحو 8 كم خوفاً من رد الفعل الروسي.
لا شك في أن هذا التطور في توفير الأسلحة الغربية بعيدة المدى لأوكرانيا، هدفه تمكين نظام زيلينسكي من شنّ ما أسماه (هجوم الربيع) الذي طال انتظاره، وقيل إن سبب تأخيره يعود إلى عدم كفاية ما لدى نظام كييف من أسلحة وذخائر لنجاح الهجوم.
يبدو من الواضح أن هناك إصراراً غربياً أطلسياً على توسيع رقعة الحرب، وبالتالي تزايد المخاطر من احتمال ردّ روسي غير متوقع، وجاءت دعوة مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي جوزيف بوريل قبل أيام للدول الأعضاء في الاتحاد إلى (الإسراع) في تسليم كييف التجهيزات العسكرية وتزويدها بأسلحة بعيدة المدى لمواجهة القوات الروسية، بمثابة صبّ زيت على النار المشتعلة، الأمر الذي يقود إلى مخاطر لا يمكن التكهن بها.
بالطبع رأت روسيا أن هذا التصعيد (خطوة شديدة العدائية) محذرة من خطورة ذلك، ووعدت بـ(ردّ عسكري ملائم) إذا استحوذت أوكرانيا صواريخ (ستورم شادو).
إذاً، بين تحذيرات كيسنجر وما تقوم به الدول الغربية من ضخ أسلحة لأوكرانيا، إلى جانب جولة زيلينسكي الأوربية الأخيرة التي يستجدي من خلالها الأسلحة المتطورة والدعم المالي، تصبح تحذيرات كيسنجر أقرب إلى التحقق، لعدم تقدير الغرب لعواقب الرد الروسي المرتقب وتبعاته، انطلاقاً من حقوق موسكو في الدفاع عن سيادة أراضيها، ومنع اقتراب قوات الناتو من حدودها، وهذا حق طبيعي لروسيا.